الشيخ محمد رشيد رضا

140

الوحي المحمدي

( الثانية ) : مبالغة المسيح عليه السلام في التزهيد في الدنيا والأمر بتركها وذم الغنى ، حتى جعل دخول الجمل في ثقب الإبرة أيسر من دخول الغنى ملكوت السماوات . ونقول : إن هذه المسألة وسابقتها إنما كانتا إصلاحا مؤقتا لإسراف اليهود وغلوهم في عبادة المال حتى أفسد أخلاقهم ، وآثروا دنياهم على دينهم ، والغلو يقاوم مؤقتا بضده . وكذلك كانت دولة الرومان السالبة لاستقلال اليهود وغيرهم دولة مسرفة في الظلم والعدوان ، والفسق والطغيان . وأما الإسلام فهو دين البشر العام الدائم ، فلا يقرر فيه إلا ما هو لمصلحة الناس كلّهم في دينهم ودنياهم ، وهو في هذه المسألة ذم استعمال المال فيما يضر من الإسراف والطغيان ، وذم أكله بالباطل ومنع الحقوق المفروضة فيه والبخل به عن الفقراء والضعفاء . ومدح أخذه بحقه وبذله في حقه ، وإنفاقه في سبيل اللّه بما ينفع الناس ويعزّ الملة ويقوى الأمة ، ويكون عونا لها على حفظ حقيقتها واستقلالها . وسترى في المقصد ما هو أعظم من هذا في إصلاحه العالي . فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل اللّه تعالى به الدين ، فيما أوحاه من كتابه إلى محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخاتم النبيين ، وما كان لرجل أمي ولا متعلم أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الإصلاح لتعاليم الكتب السماوية التي يتعبّد بها الملايين من البشر ، ولكتب الحكماء والفلاسفة أيضا ، فهل الأقرب إلى العقل أن يكون بوحي من اللّه عزّ وجلّ ، أم من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ . ومهما أنسى من شئ فلن أنسى أول كلمة في المفاضلة بين فضائل الإسلام والمسيحية طرقت سمعي ووعاها قلبي ، أتحسبون أنني سمعتها من أحد شيوخنا الأعلام كالعلامة الشيخ حسين الجسر أو الأستاذ الإمام ؟ لا لا ، إنما سمعتها من أكبر وجهاء النصارى في طرابلس الشام ( إسكندر كاستفليس ) الذي كان قنصل دولتي روسيا وألمانيا معا ، جئته من قبل والدي في مسألة مالية وأنا تلميذ ، وكان يسمع أنني عصري حر الفكر ، فلما انتهى الحديث الذي جئته من أجله فتح لي باب الحديث في الأمور القوميّة والوطنيّة والترقي العصرى ، فسمع منى انتقادا لتقصير مسلمى بلادنا وتأخرهم عن غيرهم خلافا لما يرشدهم إليه دينهم ، ولم يكن يتوقع هذا منى ، فعاملنى بمثل حريتى ، وعلى ما كان يصفه به وجهاء بلادنا من التعصب الديني السياسي لا الاعتقادي ، وكان مما قاله هذه الكلمة : إن في الإسلام فضائل كالجبال وأشمخ وأرسخ ، ولكنكم دفنتموها حتى لا تكاد تعرف أو ترى ، ونحن عندنا شئ قليل ضئيل ككلمة « حب اللّه والقريب » فما زلنا نمطه ونمده ونقول الفضائل المسيحية حتى ملأ الدنيا كلها .