الشيخ محمد رشيد رضا
129
الوحي المحمدي
البعث الإنسانى جسماني روحاني ومما جاء في القرآن مخالفا لما عند النصارى من عقيدة البعث والجزاء : أن الإنسان في الحياة الآخرة يكون إنسانا كما كان في الدنيا ، إلا أن أصحاب الأنفس الزكية والأرواح العالية . يكونون أكمل أرواحا وأجسادا مما كانوا بتزكية أنفسهم في الدنيا . وأصحاب الأنفس الخبيثة والأرواح السافلة يكونون أنقص وأخبث مما كانوا بتدسية أنفسهم في الدنيا ، ويعلم مما ثبت عن قدماء المصريين وغيرهم من الغابرين أن الأديان القديمة كانت تعلم الناس عقيدة البعث بالروح والجسد . إلا أنهم ظنوا أن أجسادهم تبقى بعد موتهم فيبعثون بها عينها ، ولكن بيّن القرآن أنّ كلّ من على الأرض فان ، وأنها تكون بقيام الساعة هباء منبثا ، وقال علماء العقائد من أهل السّنّة إنّ بعث الأجساد يكون بعد العدم التام ، وقال تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ الواقعة : 60 - 62 ] . ولو كان البعث للأرواح وحدها لنقص من ملكوت اللّه تعالى هذا النوع الكريم المكرم من الخلق . المؤلف من روح وجسد ، فهو يدرك اللذات الروحية واللذات الجسمانية ، ويتحقق بحكم اللّه « جمع حكمه » وأسرار صنعه فيهما معا ، من حيث حرم الحيوان والنبات من الأولى ، والملائكة من الثانية ، وما جنح من جنح أصحاب النظريات الفلسفية إلى البعث الروحاني المجرد إلا لاحتقارهم اللذات الجسدية وتسميتها بالحيوانية مع شغف أكثرهم بها ، وإنما تكون نقصا في الإنسان إذا سخّر عقله وقواه لها وحدها ، وحتى صرفه اشتغاله بها عن اللذات العقلية والروحية بالعلم والعرفان أو أضعفها - وأصل هذا الإفراط والتفريط غلو الهنود في احتقار الجسد ، وجعلهم مدار تربية النفس على تعذيبه بالرياضات الشاقة ، وتبعهم فيه نسّاك النصارى كما تبعوهم في عقيدة الصّلب والفداء والتثليث ، على أنهم نقلوا أن المسيح عليه السلام شرب الخمر مع تلاميذه لما ودعهم في الفصح وقال لهم : إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبى ( متى 6 : 29 ) ؛ وجرى اليهود على عكس ذلك ، وجاء الإسلام بالاعتدال فأعطى الإنسان جميع حقوقه ، وطالبه بما يكون بها كاملا في إنسانيته مرجح لروحانيته على حيوانيته ، متزودا من دنياه لآخرته . ويؤخذ مما ورد في الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة : أن القوى الروحية