الشيخ محمد رشيد رضا

122

الوحي المحمدي

الإنسان ؛ لأنه لم يكن يعلم أنه سيكون مثله أو مثل الآلهة « 1 » ، وزعموا أنه كان يظهر في شكل الإنسان حتى إنه صارع إسرائيل ، ولم يقدر على التفلت منه حتى باركه فأطلقه « 2 » ، وعبدوا بعلا وغيره من الأصنام . والنصارى جدّدوا من عهد قسطنطين الوثنيات القديمة ، واتخذوا المسيح ربا وإلها وعبدوا القديسين وصورهم ، حتى صارت كنائس النصارى كهياكل الوثنية الأولى مملوءة بالصور والتماثيل المعبودة . على أنّ عقيدة التثليث والصّلب والفداء التي جعلوها أساس الدين - بل الدين كله - هي عقيدة الهنود في كرشنة وثالوثة في جملتها وتفصيلها وهي مدعومة بفلسفة خيالية غير معقولة ، وبنظام يقوم بتنفيذه الملوك والقياصرة ، وتبذل في سبيله القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، ويربى عليه الأحداث من الصغر تربية وجدانية خيالية لا تقبل حجّة ولا برهانا ، فغمر الشرك باللّه هذه الأرض بطوفانه وطغت الوثنية على أهلها . هدم القرآن معاقل هذه الوثنية وحصونها المشيدة في الأفكار والقلوب ، وما كان ليتم هذا بإقامة برهان عقلي أو عدة براهين على توحيد اللّه عزّ وجلّ ؛ بل لا بد فيه من دحض الشبهات ، وتفصيل الحجج العقلية والعلمية والمواعظ الخطابية بالعبارات المختلفة وضرب الأمثال . لذلك كان أكثر المسائل تكرارا في القرآن مسألة توحيد اللّه عزّ وجلّ في ألوهيته بعبادته وحده ، واعتقاد أنّ كلّ ما سواه من الموجودات سواء في كونهم ملكا وعبيدا له ، لا يملكون من دونه نفعا ولا ضرا لأحد ، ولا لأنفسهم إلا فيما سخره من الأسباب المشتركة بين الخلق . وأمّا تكرار توحيد الربوبية ، وهو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني فليس لإقناع المعطلين والمشركين بربوبيته تعالى فقط . بل أكثره لإقامة الحجة به على بطلان شرك العبادة بدعاء غير اللّه تعالى لأجل التقرب إليه بأولئك الأولياء وابتغاء شفاعتهم عنده . فشر الشرك وأوغله في إفساد عقائد المؤمنين باللّه من ضعفاء العقول . وحملهم على التدين بالأوهام والخرافات المخالفة لما أثبتته التجارب من سنن اللّه في المخلوقات « 3 » ؛ إنما هو توجه

--> ( 1 ) في سفر التكوين ( 3 : 22 وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا بالخير والشر ) وفيه ( 6 : 6 فحزن الرب ) وفي ترجمة أخرى ( فندم أنه عمل الإنسان وتأسف في قلبه ) . ( 2 ) راجع آخر الفصل 32 من سفر التكوين . ( 3 ) اشتدت وطأة البرد في شتاء هذا العام ( 1352 ه - 1933 م ) وجاءت الأنباء من الشرق والغرب بكثرة الثلوج في أقطارهما الشمالية وبعض المعتدلة ، فعلل بعض المسلمين سلامة مصر منها بوجود أهل البيت فيها ؛ يعنى القبور المشيدة لأسماء بعضهم ؛ فبينت لمن سمعت منهم ذلك خطأهم من الناحية الشرعية ومن