الشيخ محمد رشيد رضا
115
الوحي المحمدي
فعل القرآن في أنفس المؤمنين كان كل من يدخل في الإسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن - ليعبد اللّه بتلاوته - ويعلم الصلاة ولم يفرض في مكة من أركان الإسلام غيرها . فيرتل ما يحفظه في صلاته اقتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم إذ فرض اللّه عليه التهجد بالليل من أول الإسلام . قال تعالى في أول سورة المزمل : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمل : 1 - 4 ] ، ثم قال في آخرها : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل : 20 ] ، أي : في صلاة الليل وغيرها ، ثم ذكر الأعذار المانعة من قيام الليل كله ما كان منها في ذلك العهد ؛ كالمرض والسفر وما سيكون بعد سنين ، وهو القتال في سبيل اللّه . ومما ورد في صفة الصحابة رضى اللّه عنهم أن الذي كان يمر ببيوتهم ليلا يسمع منها مثل دوى النحل من تلاوة القرآن ، وقد غالى بعضهم فكان يقوم الليل كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، وكان هو يصلى في كل ليلة إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة منهن ، وما قبلها مثنى مثنى ، وكان هو يطيل فيهن حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل اللّه عليه مرفها ومسليا : طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [ طه : 1 ، 2 ] إلخ . فتربية الصحابة التي غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية ، وزكّتها تلك التزكية التي أشرنا إليها آنفا ، وأحدث أعظم ثورة روحية اجتماعية في التاريخ إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن في الصلاة وتدبره في غير الصلاة ، وربما كان أحدهم يقوم الليلة بآية واحدة يكررها متدبرا لها ، وكانوا يقرءونه في كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم اللّه بقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] ، وأعظم ذكر اللّه تلاوة كتابه المشتمل على ذلك أسمائه الحسنى ، وصفاته المقدسة ، وأحكامه وحكمه وسننه في خلقه ، وأفعاله في تدبير ملكه كما تقدم . وقد وصف اللّه تعالى فعل القرآن في هؤلاء المؤمنين بقوله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] .