الشيخ محمد رشيد رضا

10

الوحي المحمدي

قال : « إذا أردنا أن ندعو أحرار أوروبا إلى ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولا أننا لسنا مسلمين ، فإنهم ينظرون إلينا من خلال القرآن هكذا - ورفع كفيه وفرج بين أصابعهما - فيرون وراءه أقواما فشا فيهم الجهل والتخايل والتواكل . . . فيقولون لو كان هذا الكتاب حقّا مصلحا لما كان أتباعه كما نرى » . لا ننكر أن بعض أحرار الإفرنج قد عرفوا من تاريخ الإسلام ما لم يعرفه أكثر المسلمين ، فانصفوا فيما كتبوا عنه من تواريخ خاصة ، ومن مباحث عامة في العلم والحضارة والدين ، وأن منهم من اهتدى به عن بصيرة وبينة ؛ ولكن ما كتبه هؤلاء كلهم لم يكن مبينا لحقيقته كلها ، ولم يطلع عليه إلا القليل من شعوبهم ، وكان جل تأثيره في أنفس من اطلعوا عليه أن بعض الناس أخطئوا في بيان تاريخ المسلمين فانتقد عليهم آخرون ، فهو لم يهتك الحجب الثلاثة المضروبة بينهم وبين حقيقة الإسلام . وأما عدم فهمهم للقرآن كما يجب - وأعنى به الفهم الذي تعرف به حقيقة إعجازه وتشريعه وأدبه وإصلاحه ، وكونه هو دين اللّه الأخير الكامل الذي لا يحتاج البشر معه إلى كتاب آخر ولا إلى نبي آخر - فلعله أربعة أسباب خاصة ، وراء تلك الحجب العامة وهي : الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن : ( أولها ) : جهل بلاغة القرآن جهل بلاغة اللغة العربية التي بلغ القرآن فيها ذروة الإعجاز في أسلوبه ونظمه وتأثيره في أنفس المؤمنين والكافرين به جميعا ، فأحدث بذلك ما أحدث من الثورة الفكرية والاجتماعية في العرب ، والانقلاب العام في البشر - كما شرحناه في هذا الكتاب - وقد كان من إكبار الناس لهذه البلاغة أن جعلها أكثر علماء المسلمين موضوع تحدّى البشر بالقرآن دون غيرها من وجوه إعجازه ، وجعلوا عجز العربي الخالص عن معارضته بها ، ثم عجز المولدين الذين جمعوا بين ملكة العربية العملية وملكة فلسفتها من فنون النحو والبيان ، هو الحجة الكبرى على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد فقد العرب الملكتين منذ قرون كثيرة إلا أفرادا متفرقين منهم ، فما القول في غيرهم ؟ فعلماء المسلمين في هذه القرون يحتجّون بعجز أولئك ولا يدّعون أنهم يدركون سرّ هذا الإعجاز أو يذوقون طعمه ؛ بل قال بعض علماء النظر المتقدمين منهم : إن الإعجاز واقع غير معقول السبب ، فما هو إلا أن اللّه تعالى صرف النّاس عن معارضته بقدرته . والصواب أن منهم من حاول المعارضة فعجزوا ، إذ ظنوا أن إعجازه بفواصل الآيات التي تشبه السجع فقلدوها فافتضحوا ، ومن متأخري هؤلاء