عمران سميح نزال
93
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
يحاك ضدها من مؤامرات ، وما تقرّره هذه السورة في هذه المدة الزمنية من أحكام تعالج ما سبق وتبني عليه وتخطط للمستقبل وتمهّد له ، حتى تقود كل المراحل بفلاح وفوز وانتصار . لقد ذكر بعض العلماء في منهجية البحث في الوحدة الموضوعية في القرآن ضرورة النظر في المكي والمدني ، وملاحظة البعد التاريخي والبيئي « 1 » ، ولكنا لا نرى أنهما يكفيان في بيان النظرة التاريخية المطلوبة في فهم تدرّج القرآن الكريم في معالجته لقضايا الإنسانية كافة ، والمكيّ والمدنيّ من الأمور التي نبّه العلماء إلى أهميتها في كتب علوم القرآن قديما وحديثا ، ولكنها لم تؤسّس أصولا علمية لمنهجية تاريخية في فهم معاني القرآن الكريم ، ولم يظهر على أساسها تفاسير تاريخية إلا حديثا ، وما ظهر منها اتبع الترتيب التاريخي دون منهجية واضحة ، بل كان أقرب إلى منهج التفسير التجزيئي منه إلى التفسير الموضوعي . إن ظهور التفسير الموضوعي المتخصّص في قضايا القرآن الكريم ومحاوره الرئيسية ، يتطلّب التركيز على علم ترتيب نزول آيات القرآن وسوره ، وجعله الدّعامة الأولى في التفسير الموضوعي ، لأنه يجعل القرآن كله في رسالة واحدة متتابعة الأسطر والصفحات ، ليس في ترتيب صفحاته رقميا ، وإنما في ترتيب معانيه وقضاياه والتحديات التي واجهته ، وطريقة علاجه لها ، أي أنه يصنع عقلية علمية قادرة على القياس الكلي وليس الجزئي فقط . ولا تعني الدعوة إلى أحد أنواع تفسير القرآن إنكار إيجابيات أنواع أخرى ، أو التركيز على ذكر سلبيات الأنواع الأخرى ، فلكل نوع من أنواع التفسير واتجاهاته إيجابياته التي لا تكفي وحدها أن تكون المنهج الوحيد لكل عصر وزمان ، أي أن مناهج التفسير بطبيعتها الاجتهادية هي مناهج متطورة ، وتنتفع من معارف كل عصر وعلومه ، وبما يكشف عن قدرة المسلمين في ذلك العصر على جعل القرآن كتاب هداية وصراطا مستقيما فعلا وفي الواقع الحياتي واليومي .
--> ( 1 ) انظر : منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ، د 0 الدغامين ، ص 40 .