عمران سميح نزال
70
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
كما لا بد من تذليل الصّعاب التي تواجه علم تاريخ النزول بعامة وعلم الوحدة التاريخية بخاصة ، ومنها كثرة الروايات والآثار ، المتعلّقة بقضية واحدة ، أو في سبب نزول آية واحدة ، وقلّة الروايات أو انعدامها بخصوص معرفة الوحدة التاريخية لسورة أخرى ، لأن عوامل كثيرة ساهمت في تركيز الروايات وتكثير الآثار وحفظها فيما يخص بعض الآيات والسّور دون غيرها ، كما لا بد من أخذ أثر التفسير المذهبي للفرق الإسلامية بعين الاعتبار ، كما سبق الإشارة إليه عند الفراهي في دلائل النظم « 1 » . ولكن وجود الصعوبات في طريق أي علم لا يقطع الطريق عليه ، ولا يمنع من البحث فيه وزيادة الاجتهاد في تأصيل قواعده وأسسه ، فالبحث في علم تاريخ النزول لا بد أن يتواصل ، لأنه الأقدر على فهم قضايا السور كلها وهي متدرّجة في تاريخ نزولها ، وإعطاء السورة التي لم يرد فيها روايات وآثار خاصة بها دورا في فهم التفسير الموضوعي للقرآن كله من خلال معرفة المرحلة التاريخية التي نزلت فيها ، مقارنة بما قبلها وما بعدها . ومن ناحية أخرى يساعد علم تاريخ النزول والتفسير التاريخي في صنع ملكة علمية اجتهادية في ترجيح تفسير فقهي على آخر ، أو في ترجيح تأويل عقدي على آخر بكثير من الاطمئنان ، وبالأخص في تفسير الآيات التي عليها مدار كثير من التفسيرات المذهبية والاختلافات العقدية والسياسية بين المسلمين منذ القرون الهجرية الأولى ، إذ قضايا العهد المكي تختلف عن قضايا العهد المدني ودواعيهما ، وكلاهما لم ينزلا من أجل الاختلافات المذهبية المتأخرة على تاريخ النزول بقرون . وقد يقع اللّبس بين التفسير التاريخي الذي ندعو له وبين التفسير التاريخي الذي أنتجه المفسرون في القرون السابقة ، من القرن الأول الهجري إلى اليوم ، وهذا يضطرنا إلى رفع اللّبس حتى لا يساء فهم هذا التفسير وغاياته ، وضرورة بيان الفارق بين التفسير التاريخي للقرآن الكريم الذي ندعو له ، وبين التفسير التاريخي التراثي للقرآن الكريم وهو الموجود في كتب التفسير المعروفة .
--> ( 1 ) انظر : منهجية البحث في التفسير الموضوعي ، د . الدغامين ، ص 121 .