عمران سميح نزال
27
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
رواية ودراية بمنهج المحدثين ، أغلبها إن لم يكن جميعها هي آثار تفسيرية تأخذ حكم الاجتهاد التراثي ، والأصل أن تعامل مثله . ومن الممكن أن يكون دليل وجود أو وقوع مثل هذه الاستثناءات ما نزل في سورة النحل المكية بقوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) ، فهذه الآيات الكريمة تكشف عن اعتراض آخر للذين كفروا ، وهو وقوع تبديل في أماكن بعض الآيات في السورة الواحدة ، فوصف التبديل من الكفار بالافتراء في حق النبي ، فأجاب القرآن عليهم بأن هذا ليس افتراء لو كانوا يعلمون ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأت بهذا التبديل من عنده ، وإنّما هو متبع لما نزل عليه من روح القدس جبريل عليه السلام . ومن الممكن أن يستدل بهذه الآيات الكريمة من سورة النحل المكية على أن جمع القرآن كان من اللّه تعالى ، أي أن مكان الآيات في السورة الواحدة كان بأمر من اللّه تعالى ، وإذا وقع إبدال آية قرآنية مكان آية قرآنية أخرى فقد كان كذلك بأمر من اللّه تعالى ، مثل أن تنزل آية جديدة فتوضع في موضعها الذي هي عليه في سورتها وفي المصحف الإمام ، أي أن القرآن الكريم جمع ورتب في المواضع والأماكن التي نزل بها جبريل عليه السلام بأمر من اللّه تبارك وتعالى ، كما تخبرنا آيات سورة القيامة . والنصّ على ذكر روح القدس جبريل عليه السلام ، إنما هو لتأكيد النفي أن يكون هذا الأمر من النبي نفسه ، وإنما هو من اللّه تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) ، والعلة في ذلك أيضا هو التثبيت ، وهذه المرة للذين آمنوا ، وهدى وبشرى للمسلمين ، فترتيب الآيات في القرآن كله من اللّه تعالى ، لأنه هو الآمر لروح القدس جبريل عليه السلام ، فإخبار المولى عز وجل أن تبديل موضع الآيات لا يكون إلا بأمر من اللّه تعالى وليس