عمران سميح نزال

260

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

السماوات والأرض والجبال وكلّها مخلوقات قوية صلبة في مادّتها ، ولكنها أبت وأشفقت من تحمل الأمانة ، وحملها الإنسان الضعيف مادّيا ، القويّ بإرادته وحرّيته وعلمه ، إرادته هي التي اختارت له أن يحمل الأمانة ، فما معنى الأمانة ؟ إذا علمنا أن سورة الأحزاب مليئة بنداءات النبي ونسائه والذين آمنوا ، وأن هذه النداءات من اللّه تعالى ، ومحلّ الإجابة هو من الإنسان سواء كان نبيا أو من أهل بيته من أزواجه أو بناته أو من الناس الذين آمنوا بالنبي ، وأن الإجابة عبادة علمية وعملية ، وعلمنا أن النبي عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا معه قد انتصروا في بناء المدينة الإنسانية الفاضلة ، والدولة الإنسانية الطّاهرة ، وأن هذه الدولة المدنية هي أرقى أنواع السلوك الإنساني في السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيره ، فإنها يجب أن تكون مثالا لكل دولة يراد تنظيمها بين الناس كافّة ، ولكن وبدل أن تفرح بها البشرية جمعاء ، واجهت أكبر تحدّ لها في غزوة الأحزاب ، وهو تحدّي الاستئصال والزوال ، من قبل كائنات بشرية أخرى ، تخلّت عن إنسانيتها وسجنت نفسها في الظلام والكفر والشرك والنفاق ، ولما لم يكن القتال مرادا لذاته في شرع الإسلام كفى اللّه المؤمنين القتال ، وهزم الأحزاب بظلامهم وظلمهم وكفرهم وشركهم ونفاقهم ، فتأكد أن درس سورة الأحزاب وضع ميزان الحق الإنساني ، الميزان الذي يرجّح الحق على الباطل ، ويرجح الإيمان على الكفر ، والتقوى على النفاق ، والطهارة على الرجس . ودور الأمانة في ذلك أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه ، في الانتماء إلى الحق وحزب الحق ودولة الحق ، أي أن الأمانة هي الدافع للإنسان أن يكون صادقا في علمه وعمله ، فإذا أخلّ في علمه فهو جهول أولا ، وإذا أخلّ بعمله فهو ظلوم ثانيا ، والظلم هو في أن يكون مع أهل الباطل بدل أن يكون في أهل الحق ، وفي أن يكون مع أهل الشرك بدل أن يكون في أهل الإيمان ، وفي أن يكون مع أهل الرّجس بدل أن يكون في أهل الطهارة ، فحكمة المولى عز وجل في أن يكون الإنسان مخلوقا حرّا متعلّما حتى يقود نفسه بعلمه وعمله ، وإلا فهو الظلوم الجهول ، فالأمانة هي أمر اللّه الذي كان قدرا مقدورا وهي التكليف الذي يسعد الإنسان والناس جميعا « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير للفخر الرازي ، 6 / 593 .