عمران سميح نزال

22

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

الكريم هو المعنى الذي يستنبط من القرآن الكريم ، وبالمعنى اللغوي لكلمة الجمع عربيا ، والمعنى الحقيقي للجمع يعني قيام اللّه تبارك وتعالى بهذا العمل دون مشاركة أحد من خلقه ، وحقيقة ذلك أن جمع القرآن الكريم وضم آياته إلى بعضها ونظمها في السورة الواحدة ، وبناء السور ونظمها كلها في القرآن الكريم كله ، كان بأمر وعلم من اللّه تبارك وتعالى ، وليس أمر النبي عليه الصلاة والسلام لكتبة الوحي أن يكتبوه على هذا النحو - إذ قال لهم ضعوا هذه الآية في موضع كذا وكذا - إلا اتباعا لأمر اللّه تعالى ، والدليل القطعي الثبوت على ذلك هو قول اللّه تعالى في سورة القيامة المكية : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) . وبيان الدلالة أن معنى كلمة الجمع لغة هو : تضام الشيء « 1 » ، أي ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض « 2 » ، ومعنى قرآنه : « من القراءة وهي : ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل . . » « 3 » ، أي إذا ضممنا بعضه إلى بعض ، فاتّبع ضمه كما ضممناه وكما جمعناه لك ، وكما جعلناه قرآنا ، ولذا لا يحصر تفسير كلمة الجمع في هذه الآيات على تفسير ابن عباس رضي اللّه عنهما ، لأن تحريك الرسول عليه الصلاة والسلام لسانه تعجلا به ، ليس خوفا على نسيانه ، وقد أخبره اللّه من قبل في سورة الأعلى المكية : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) ، وإنما كان حرصا منه عليه الصلاة والسلام على أن يحفظه على النحو الذي ينزل عليه ، أي وفق سياقه ومناسبته التنزيلية ، واجتهادا منه عليه الصلاة والسلام أنّ جمع القرآن هو من مسئوليته النبوية ، فجاء التطمين من اللّه تبارك وتعالى أن عملية جمع ما ينزل مفرقا هو من مسئولياته تبارك وتعالى ، ويخبره بتعهّد اللّه عملية الجمع وجعله قرآنا ، أي

--> ( 1 ) معجم المقاييس في اللغة ، أحمد ابن فارس ( 395 ه ) ، تحقيق : شهاب الدين أبو عمرو . دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1418 ه - 1998 م ، ص 224 . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، تحقيق : صفوان عدنان داودي ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الثالثة ، 1423 ه - 2002 م ، ص 210 . ( 3 ) مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، ص 668 .