عمران سميح نزال
194
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
جميعا ، وأول ما يأمر به أنبياءه ، وهذا من معنى قوله تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ، أي حكما تبعيا « 1 » . والرسل أحق الناس بتبليغ رسالات اللّه دون خشية مهما كانت مخالفة لعادات الناس الباطلة ، بل وفي تطبيقها على أنفسهم قبل غيرهم ، لأنهم أكثر الناس إيمانا بأن أمر اللّه أي شرعه فيه الصلاح للناس كافة ، فالتكليف من اللّه لا يقصد العنت والحرج وإنما بيان القانون النافع للناس في دنياهم ، وهذه الآيات تذكّرنا بمناسبة نزول الآيات السابقة والتي وقع التساؤل عن مناسبتها التنزيلية في الآية السابعة والثامنة من هذه السورة ، وهما تؤكدان أن اللّه أخذ الميثاق من النبيين ، ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما . وبهذا المعنى قال ابن كثير : ( يقول تعالى : ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب رضي اللّه عنها التي طلقها دعيّه زيد بن حارثة رضي اللّه عنه وقوله تعالى : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي هذا حكم اللّه تعالى في الأنبياء قبله إذ لم يكن ليأمرهم بشيء فيه حرج ؛ وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيّه الذي كان قد تبنّاه وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً أي وكان أمره الذي يقدّره كائنا لا محالة وواقعا لا محيد عنه ولا معدل ؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . ) « 2 » . سبب نزول الآية ( 40 ) من سورة الأحزاب : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 40 ) . في هذه الآية الكريمة تقرير حقيقة مهمة من حقائق الإسلام ، وهو أن اللّه تعالى قضى أن لا يكون لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام رجل من صلبه ، لا في حياته ولا بعد مماته ، وفي ذلك تدخل قضية زيد بن حارثة ، والتأكيد على أنه لم يكن من أبنائه
--> ( 1 ) التفسير الكبير للرازي ، 6 / 581 . ( 2 ) ابن كثير : تفسير القرآن العظيم