عمران سميح نزال
182
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وتعالى نبيّه محمدا عليه الصلاة والسلام بما هو خير من الآل كما في سورة الكوثر ، والكوثر من الكثرة في النعمة التي تفوق نعمة المال أو الولد أو الرجال الذين يرثون الآباء في الأشياء المادية أو الملك . أما وأنّ تاريخ نزول هذه الآيات ومنها : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ( 33 ) في مناسبة نزول سورة الأحزاب وهي في نفس الوحدة التاريخية ، وهي بعد غزوة الأحزاب بحكم المناسبة التاريخية ، فإن نزول هذه الآيات يشير إلى المقصود فعله في المستقبل حتى تتحقق الغاية ، وأداة العلة في قوله ( إنما ) تفيد الحصر بالقصد والمآل المستقبلي ، وكذلك لام العاقبة في قوله ( ليذهب ) ، فالآية تعلّل التشديد على نساء النبي أكثر من غيرهن من نساء المؤمنين ، وتعلّل الغاية المقصودة في المستقبل أن تحقّقه ، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم الغاية من هذا التشديد على أهله من نسائه ، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام في مقدمة سورة الأحزاب بتقوى اللّه واتباع ما يوحى إليه ، وأن يتوكل على اللّه ، سواء في أمر يخصّه هو أو يخصّ زوجاته ونساءه . فإذا علم أنّ من أسباب الغاية أن تصبح نساء النبي عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة لنساء المسلمين والمؤمنين ، كما جاء في آية سابقة من نفس السورة لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) ، فإن ما نستنبطه من هذه المناسبة أيضا ، أن اللّه إذا أراد أن يشرّع حكما فيه مشقة وتشديد على المسلمين والمؤمنين ، فإنّ أوّل من يبدأ به هو النبيّ وأزواجه ونساؤه ، ليكون هو أول من يقوم به ويتّقي اللّه باتباعه ، وكذلك لتكون زوجاته ونساؤه رضي اللّه عنهن عونا له على بناء المجتمع الإسلامي المدني في الزهد في الدنيا ، ويكنّ أول من يلتزمن أحكام الحياة الاجتماعية الإسلامية من نساء المؤمنين في القنوت للّه ورسوله والعمل الصالح ، ويكنّ المقدّمات في التزام أحكام الإسلام قبل غيرهن من نساء المسلمين والمؤمنين في عدم الخضوع بالقول وعدم التبرّج ، وأكثر منهن في الحرص على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسوله في الأحكام الاجتماعية التي تزامن نزولها على مجتمع المدينة مع نزول هذه الآيات الكريمة ، فإذا التزمن هذه الأحكام في الأوامر والنواهي