عمران سميح نزال
143
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
يكشف ترتيب هذه الآية في قصة غزوة الأحزاب أن الآيات أتت في نزولها وترتيلها متزامنة مع أحداث الغزوة دون تقديم أو تأخير ، مما يؤكّد أن الوحدة التاريخية لسورة الأحزاب كانت متطابقة مع تواريخ وقوع الأحداث في الغزوة نفسها . قال ابن كثير : ( وهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف يحسبون الأحزاب لم يذهبوا بل هم قريب منهم وإنّ لهم عودة إليهم وإن يأت الأحزاب يودّوا لو أنهم بأدون في الأعراب يسألون عن أنبائكم أي ويودون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا . أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلا لكثرة جبنهم وذلّتهم وضعف يقينهم واللّه سبحانه وتعالى العالم بهم ) « 1 » . مناسبة نزول الآية ( 21 ) من سورة الأحزاب : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) . المناسبة التنزيلية لهذه الآية هي في المناسبة الموضوعية لسورة الأحزاب ، أي من الآيات ( 9 - 27 ) ، وبهذا السياق تفسّر ، إذ كان الرسول عليه الصلاة والسلام القدوة الأولى في جهاده وعمله وحنكته الأمنيّة والعسكرية والسياسية ، فما كان لدولة المؤمنين أن تنتصر في غزوة الأحزاب إلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل من نفسه القدوة لجنده في كل شيء . وبيّنت الآية أن من اتخذ الرسول قدوة له فقد فاز وانتصر في الدنيا والآخرة ، ومن شكّك في وعد اللّه ورسوله فقد باء بالخسران ، وجعل القرآن هذه الآية في هذه المناسبة التنزيلية للتأكيد أن أولى مراحل القدوة المطلوبة لأيّ قائد هي في المجال العسكري بالدرجة الأولى وما يحفظ الدولة والجماعة ، وفي المشاركة في المعارك الحاسمة التي يتقرّر بعدها مصير الدولة إن كانت إلى بقاء أو إلى زوال .
--> ( 1 ) ابن كثير : تفسير القرآن العظيم