عمران سميح نزال
11
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وتتجلى معالمه ، إلا أن بعضا يعترض على التفسير التاريخي بحجج واهية من أضعفها ظنهم أنه يهدف إلى إعادة ترتيب المصحف بحسب النزول ، وليس الأمر كذلك إطلاقا ، والأغرب من ذلك أن يعترض عليه بنفس الحجة التي يقوم عليها منهج التفسير التاريخي ، وهي حجة نزول القرآن مفرقا ، فظنوا أن نزول القرآن مفرقا يلغي الوحدة التاريخية للسور القرآنية ؛ دون أن يقيموا على دعواهم برهانا صحيحا كما سيأتي ، فكان لا بدّ من بيان المعنى الأصلي لنزول القرآن مفرقا ، وأنه قائم على الوحدة التاريخية لنزول آيات السورة القرآنية الواحدة ، وأن نزول القرآن مفرقا لا يتنافى مع الوحدة التاريخية ولا مع علم ترتيب النزول . ويكفي للردّ على ذلك : الإجماع على معرفة الوحدة التاريخية لنزول القرآن الكريم كله ، وهو المدة الزمنية الكلية التي نزل بها القرآن الكريم على النبي عليه الصلاة والسلام ، وهي ثلاثة وعشرون عاما تقريبا ، فإذا كانت الوحدة التاريخية للقرآن كله معروفة ومتفقا عليها ، أفلا يمكن معرفة الوحدة التاريخية لكل سورة قرآنية بمفردها ، وهي متضمّنة في الوحدة التاريخية للقرآن كله ؟ أي أن هدفنا من هذا الكتاب هو مواصلة النظر في بيان المنهج التاريخي لتفسير القرآن الكريم في إحدى قضاياه الهامة وهي الوحدة التاريخية في السور القرآنية ، وقد شجعنا على ذلك نصائح إخوة لنا ، تدعو إلى بيان الأثر العملي لعلم تاريخ النزول وبيان أثر المنهجية التاريخية في تجديد تفسير القرآن كله أو بعض من سوره ، أما وقد تأكدت الحاجة لدينا إلى مواصلة البحث والنظر في قواعد هذا المنهج ، والأخذ بالنصائح ، فإننا نفضل أيضا التعليق على بعض الإشكالات التي قد تنتج عن سوء فهم لما ندعو إليه ، ولكن المهمة الأصلية هي التركيز على إحدى قضايا علم تاريخ النزول الهامة ، وهي الوحدة التاريخية في تفسير السور القرآنية ، وبيان أثر هذه الوحدة التاريخية في تفسير القرآن كله ، وكأنه وحدة موضوعية واحدة منتظمة مع بعضها بعضا ، ومنسجمة ومتجانسة مع السيرة النبوية المكية والمدنية . ونحن هنا نذكر أننا نفضّل أن يوصف الاجتهاد في هذا الموضوع أو غيره بالنظرية ، اشتقاقا من كلمة النظر بمعنى التفكر والتدبر ، وحبذا لو أخذ المسلمون بهذه المنهجية المعرفية ، فكل اجتهاد هو فكر إسلامي ، وكل فكر إسلامي هو نظرية ، وكلّ