عبد الفتاح عبد الغني القاضي
7
الوافي في شرح الشاطبية
والتحقيق ، والتفخيم والترقيق وهكذا ، ويدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل وتباينت ألسنتهم في النطق بها نحو : خطوات ، بيوت ، خفية ، زبورا ، شنآن ، السحت ، الأذن ، بالعدوة ، بزعمهم ، يعزب ، يقنط . وأما الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه المختلفة ، فهي : أن العرب الذي نزل القرآن بلغتهم ، ألسنتهم مختلفة ، ولهجاتهم متباينة ، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي درج عليها ، ومرن لسانه على التخاطب بها ، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه ، وسجية من سجاياه ، واختلطت بلحمه ودمه ، بحيث لا يمكنه التغاضي عنها ولا العدول إلى غيرها ولو بطريق التعليم والعلاج ، خصوصا الشيخ الكبير والمرأة العجوز والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ ، كما في حديث الترمذي الآنف الذكر . فلو كلفهم اللّه تعالى مخالفة لهجاتهم والعدول عنها لشقّ ذلك عليهم ، ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت الطاقة ، فاقتضت رحمة اللّه تعالى بهذه الأمة أن يخفف عليها وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها ، كما يسّر لها أمر دينها وأن يحقق لها أمنية نبيها حين أتاه جبريل فقال له : إن اللّه يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال : « أسأل اللّه معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك » ولم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يردد في المسألة ويلحف في الرجاء حتى أذن اللّه له أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف ، فكان صلّى اللّه عليه وسلم يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها . أما عن قراءات الأئمة السبعة وصلتها بالأحرف السبعة : فيرى بعض الناس أن قراءة أي قارئ من القراء السبعة هي أحد الأحرف السبعة المذكورة في الحديث . فيزعموا أن قراءة نافع هي حرف ، وقراءة ابن كثير هي حرف آخر ، وهكذا قراءات باقي القراء السبعة ، كل قراءة منها حرف من الأحرف السبعة ، وهذا الرأي بعيد عن الصواب ومخالف للإجماع لأسباب متعددة أهمها : أن الأحرف السبعة نزلت في أول الأمر للتيسير على الأمة ثم نسخ الكثير منها بالعرضة الأخيرة ، مما حدى بالخليفة عثمان بن عفان إلى كتابة المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار وأحرق كل ما عداها من المصاحف . والصواب : أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التي يقرأ الناس بها اليوم هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، وورد فيها الحديث : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » وغيره من الأحاديث . وهذه القراءات العشر جميعها موافقة لخط مصحف من المصاحف العثمانية التي بعث بها عثمان إلى الأمصار بعد أن أجمع الصحابة عليها وعلى إطراح كل ما يخالفها .