عبد الفتاح عبد الغني القاضي

53

الوافي في شرح الشاطبية

152 - وتسكن عنه الميم من قبل بائها * على إثر تحريك فتخفى تنزّلا المعنى : تسكن الميم عن السوسي إذا وقعت قبل الباء وكان قبل الميم متحرك ، فيخفى تنزلها أي يحصل فيها الإخفاء نحو : أَعْلَمُ بِكُمْ * ، عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ * ، حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ . وإنما قال : وتسكن ، ولم يقل : وتدغم ؛ لأن الميم حينما يراد إدغامها تسكن وإذا سكنت كان حكمها الإخفاء إذا وقع بعدها الباء ونحو : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ . فإن كان ما قبل الميم متحركا ؛ امتنع تسكينها وإخفاؤها نحو : إِبْراهِيمُ بَنِيهِ ، الْيَوْمَ بِجالُوتَ ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ * . 153 - وفي من يشاء با يعذّب حيث ما * أتى مدغم فادر الأصول لتأصلا المعنى : يدغم السوسي ( باء يعذب ) المرفوع في ميم ( من يشاء ) حيث وقع في القرآن الكريم . وقد وقع ذلك في خمسة مواضع : موضع بآل عمران ، وموضعين بالمائدة ، وموضع بالفتح وموضع بالعنكبوت . أما الذي في البقرة : فإن السوسي يقرؤه بسكون الباء فيدغمه ، وإدغامه حينئذ يكون من باب الإدغام الصغير . وفهم من تخصيص إدغام باء يُعَذِّبُ * في ميم مَنْ يَشاءُ * أن الباء لا تدغم في ميم أخرى نحو : أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ، سَنَكْتُبُ ما قالُوا ، ضُرِبَ مَثَلٌ . ولما تمم الكلام على الحروف الستة عشر التي تدغم في غيرها ، وبيّن شرط إدغام كل منها ختم بقوله : ( فادر الأصول ) : أي اعرف ما ذكرته لك من القواعد ( لتأصلا ) ؛ لتكون أصلا ومرجعا يرجع إليه في معرفة هذا الفن . 154 - ولا يمنع الإدغام إذ هو عارض * إمالة كالأبرار والنّار أثقلا المعنى : لما فرغ الناظم من بيان الحروف التي تدغم في غيرها في باب المتقاربين ، ذكر بعد ذلك ثلاث قواعد تتعلق بالإدغام الكبير ، سواء كان من باب المثلين أو المتقاربين ، وقد تضمن هذا البيت القاعدة الأولى ، وحاصلها : أن الحرف الذي يدغم إذا كان مكسورا وكان قبله ألف ممالة بسبب كسر هذا الحرف ، فإدغام هذا الحرف المكسور لا يمنع من إمالة الألف قبله نظرا لعروض هذا الإدغام ، فكأن الكسر موجود نحو : وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا ، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا . فإن الألف في الْأَبْرارِ * و النَّارَ * تمال بسبب كسر الراء فإذا أدغمت الراء وهي لا تدغم إلا بعد تسكينها ، فإن موجب الإمالة في هذه الحال يزول . فحينئذ لا تمال الألف ولكن لما كان هذا الإدغام عارضا ؛ فإنه لا يمنع إمالة الألف فكأن موجب الإمالة وهو كسر الراء الذي ذهب بالإدغام متحقق موجود . وقوله : ( أثقلا ) : حال من الإدغام ، والمراد بكون الإدغام أثقل أنه مشدد لا أنه أثقل من الإظهار ، والمراد بالإدغام في البيت الإدغام الصريح . وإذا كان الإدغام الصريح لا يمنع الإمالة فأولى ألا يمنعها الرّوم .