عبد الفتاح عبد الغني القاضي

29

الوافي في شرح الشاطبية

الإيمان يشفى من الداء بنوره كما تشفى العين المريضة بما يفعله المكحل فيها ، وفي البيت إشارة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن مرآة أخيه المؤمن » [ أخرجه أبو داود ] . 75 - أخي أيّها المجتاز نظمي ببابه * ينادي عليه كاسد السّوق أجملا 76 - وظنّ به خيرا وسامح نسيجه * بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا 77 - وسلّم لإحدى الحسنيين إصابة * والأخرى اجتهاد رام صوبا فأمحلا 78 - وإن كان خرق فادّركه بفضلة * من الحلم وليصلحه من جاد مقولا اللغة : ( المجتاز ) : مفتعل مأخوذ من الجواز بمعنى العبور . ( ينادي عليه ) : يعرض للبيع ، و ( الكساد ) : ضد الرواج . ( أجملا ) ايت بالقول الجميل . و ( النسيج ) : فعيل بمعنى المفعول أي المنسوج . و ( الإغضاء ) الإغماض على العيب وتجاهل وجوده . ( الهلهل ) : الثوب الخفيف الضعيف النسج ، ( والإصابة ) : الوصول للصواب . و ( الاجتهاد ) : بذل الجهد في إدراك الصواب ، و ( الصوب ) : نزول المطر . و ( أمحل ) : دخل في المحل وهو انقطاع المطر ويبس الأرض بسبب انقطاعه . ( والخرق ) : المراد به هنا العيب ، ( وادّركه ) : تداركه . و ( فضلة الشيء ) : ما يفضل عنه . و ( المقول ) : اللسان . والمعنى : يا سامع قصيدتي حال الإعراض عنها ، وعدم الالتفات إليها ، أحسن القول فيها بإظهار محاسنها ، وإخفاء مثالبها . ثم أحسن الظن بالناظم ونظمه ، وسامح نظمه الشبيه بالمنسوج ؛ لأن النظم ضم كلمة إلى أخرى كما أن النسيج ضم طاقة إلى أخرى ، بالتجاهل عن هفواته ، والإغضاء عن زلاته ، وإن كان ذلك النظم كالثوب الضعيف في ركاكة ألفاظه وتفاهة معانيه . وهذا تواضع من الناظم وإلا فنظمه آية في قوة الألفاظ وسمو المعاني . ثم يقول الناظم سلّم لي نظمي وابتعد عن لومي لأجل إحدى الحسنيين ، وفي ذلك إشارة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر » وحاله لا ينفك عن إحداهما ، فإن كان مصيبا كان له أجران ، وإن كان مخطئا كان له أجر . فلا ينبغي أن يوجه إليه لوم على كلتا الحالين ؛ حال إدراك الصواب التي عبر عنها بقوله : إصابة ، وحال الخطأ التي شبهها بحال من طلب المطر فوقع في المحل . ثم يقول : وإن وجد عيب في نظمي فتداركه بفضلة من حلمك ، وليصلح هذا العيب من ذرب لسانه ، وكان متضلعا من علوم العربية ، واسع الاطلاع في علوم القراءات . 79 - وقل صادقا لولا الوئام وروحه * لطاح الأنام الكلّ في الخلف والقلى اللغة : ( الوئام ) : مصدر بمعنى الوفاق . ( لطاح ) : هلك . و ( الأنام ) : الثقلان . و ( الخلف ) : الاختلاف . و ( القلى ) : البغض . ( وصادقا ) : صفة مصدر محذوف أي قولا صادقا . أو حال ؛ أي حال كونك صادقا . و ( لولا ) حرف يدل على امتناع الشيء لوجود