مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

83

الواضح في علوم القرآن

وما أن اقتنع رضي اللّه عنه بصواب الفكرة حتى اهتمّ لها اهتماما بالغا وسعى لتحقيقها ، فأخذ يجيل النظر ويعمل الفكر ، فيمن يصلح للقيام بهذا الأمر الجليل ، فاهتدى بنور اللّه تعالى ، ووقع اختياره على زيد بن ثابت رضي اللّه عنه ، لما اجتمع فيه من مواهب ، واختصّ به من مزايا ، لها كبير أثر في هذا الأمر الخطير ، لم تجتمع في غيره من الصحابة . فهو من حفّاظ القرآن ، ومن كتّاب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو إلى جانب ذلك كان معروفا بخصوبة العقل وشدّة الورع وعظم الأمانة ، وكمال الخلق واستقامة الدّين . كلّ هذه الصفات وغيرها رجّحت لدى أبي بكر رضي اللّه عنه أنه أولى من يقوم بهذا العمل ، وأكّد ذلك عنده أنه استشار فيه عمر رضي اللّه عنه فوافقه على اختياره . أرسل أبو بكر إلى زيد - رضي اللّه عنهما - ولما حضر عرض عليه الأمر ، وبيّن له الأسباب الداعية إليه ، وإشارة عمر في الموضوع ، وما كان منه من تردّد ثم اقتناعه بذلك ، وأنه وقع الاختيار عليه للقيام بهذه المهمة ، لما يعهد فيه من صفات . ولكن زيدا رضي اللّه عنه لم يكن أقلّ تردّدا من أبي بكر رضي اللّه عنه بادئ الأمر ، وهاب الموقف واستثقل المسؤولية ، ولكن أبا بكر ما زال به حتى أقنعه بصواب ما ندب إليه ، فاطمأنت نفسه وسكن قلبه وشرح اللّه صدره ، فشرع بالعمل العظيم ، يشرف عليه ويعاونه كبار الصحابة ، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضوان اللّه عليهم أجمعين ، واستمرّ العمل حتى تمّ لهم ما أرادوا ، وأتمّ اللّه تعالى عليهم نعمته وأكمل لهم دينهم الذي ارتضى لهم . 4 - منهج زيد رضي اللّه عنه في الجمع : لقد اتبع زيد في جمعه القرآن منهجا قويما وطريقة دقيقة محكمة ، وضعها له أبو بكر ، وساعده على تنفيذها صاحب الرأي عمر ، رضوان اللّه عليهم أجمعين .