مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
67
الواضح في علوم القرآن
ودون الرجوع إلى طريق النقل لمعرفة رأي العلماء والمفسرين في ذلك ، ويكفي أن تقرأ في سورة البقرة - وتطّلع على ما تجمّع فيها من أحكام الصيام والحج والقصاص والنكاح والطلاق وغيرها ، وما في آياتها الطويلة من لين وهدوء ؛ لتعلم أنها سورة مدنية . ويكفي أن تقرأ في سورة الصّافّات ؛ فتجد فيها النقاش والحجاج مع المشركين ، وإظهار الأدلة على وجود اللّه تعالى ، وما ينبعث من آياتها القصيرة من معاني الشّدّة والتّهديد ما يزلزل القلوب ؛ فتعلم أنها سورة مكية . 4 - فوائد معرفة المكّي والمدني : 1 - من فوائد معرفة المكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ ، لنأخذ بالحكم الناسخ ونترك الحكم المنسوخ ، وتوضيح ذلك أنه إذا وردت آيات من القرآن في موضوع واحد ، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات مخالفا للحكم في غيرها ، ثم عرفنا أن بعضها مكّي وبعضها مدني ، فإننا نحكم بأن المدني ناسخ للمكّي نظرا لتأخّر القرآن المدني عن المكّي . 2 - ومن فوائد هذا العلم معرفة تاريخ التشريع الإسلامي ، وتدرّج المشرع الحكيم في نقل الناس إلى المنهج الإسلامي المتكامل . 3 - الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من أي تغيير أو تحريف ، ويدلّ على ذلك اهتمام المسلمين بالقرآن وتاريخ نزوله ، وتسجيل دقائق نزوله الزمانية والمكانية ، ونقلها بكل أمانة وضبط . 4 - ومن فوائده أنه يبصّر المؤمن والمفسّر بمعنى الآية ، ومثال ذلك : أن من يقرأ سورة : ( قل يا أيها الكافرون ) ويعلم أنها مكية ، ونزلت عندما قال بعض زعماء المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة أخرى « 1 » ، فإن هذا العلم بمكان النزول وزمانه وسببه يحجز عن الخطأ في تفسيرها وفهمها .
--> ( 1 ) رواه ابن جرير الطبري كما في الدر المنثور ( 8 / 654 ) .