مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

257

الواضح في علوم القرآن

العربية وفي الأمة العربية وإيضاح معنى الترجمة ، وأسباب استحالتها ، وبيان حكمها الشرعي ، والنتائج الخطيرة المترتبة عليها ، وما يغني عنها ، واللّه ولي التوفيق . أولا : الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية : اصطفى اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليكون الرسول الخاتم بين يدي الساعة ، واختار اللّه قومه العرب ليكونوا حملة الرسالة ودعاة الإسلام إلى الإنسانية جمعاء ، وكانت الأمة العربية عند انبثاق فجر الإسلام تعيش جاهلية جهلاء في معتقداتها وعاداتها وحروبها ، ولكنّها وصلت إلى حضارة لغوية متميزة ، تجعلها أهلا لنزول الوحي الإلهي المعجز بلسانها ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] . ومن هنا كانت معجزة الرسول الكبرى القرآن الكريم ، من جنس ما اشتهر به قومه من الفصاحة والبلاغة ، فجاء يتحدّاهم في نفيس بضاعتهم ، وأبرز أسباب شهرتهم وتفوّقهم . ونستطيع أن نحدّد الحكمة من اختيار إنزال القرآن الكريم باللّغة العربية بأمرين : الأول : ما تتمتع به اللغة العربية من مقوّمات اللغات الحيّة وعناصر قوّتها واستمرارها ، وذلك من حيث وفرة مفرداتها بالأصالة والاشتقاق ، أو بالحقيقة والمجاز . أو من حيث قبولها للتطور والتقدّم الحضاري ، أو من حيث مرونة أساليبها ، وصلاحيتها لكلّ ما يراد منها ، أو من حيث فصاحة ألفاظها وبلاغة تراكيبها . الثاني : لو تنوّع النظم المنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حسب اختلاف ألسنة الأمم ، لأدى هذا إلى الاختلاف والتنازع ، ولتطرق التحريف إلى الكتاب المنزل ، بل يقرب من المحال أن يتّحد هذا المنزل مع تعدّد اللغات ، وتنوع اللهجات ، وتعدّد الخصائص والدلالات ، بالنسبة لاستنباط الأحكام ، ورسم المنهج ، ومعرفة الحدود ، وإحكام جميع العبادات والتشريعات .