مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
200
الواضح في علوم القرآن
ففي المثال الأول : يشبه اللّه تعالى حال المنافقين العجيبة الشأن بحال من استوقد نارا ليستضيء بها ، ولكنها ما كادت تضيء له ما حوله حتى انطفأت ، وعاد الظلام يلفه من جديد ، وبقيت نفسه في حيرة وشك وضياع . والآية مثل ضربه اللّه لمن آتاه شيئا من الهدى فأضاعه ، ولم يتوصل به إلى النعيم الأبدي ، وإنما بقي متحيرا ضائعا لا يجد نفسه ، وهذا يدخل تحت غمومه هؤلاء المنافقون . وفي المثال الثاني : يشبه اللّه سبحانه حالهم بحال من أصابهم مطر هاطل غزير ، في ليلة مظلمة مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد ، كلما أضاء لهم نور البرق مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون ، وهم في هذه الحالة خائفون فزعون ، إذا لمع البرق كادت أن تنخطف منه أبصارهم ، وإذا قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته . وكذلك المنافقون متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيب من السماء ، ولكنهم يشعرون حقيقة بقلق واضطراب ، ويتأرجحون بين لقاء المؤمنين وعودتهم للشياطين ، بين ما يقولونه بألسنتهم وما تخفيه صدورهم ، بين ما يطلبونه من هدى ونور ، وما يفيئون إليه من ضلال وظلام ، بين ما يريدونه من فوائد الإسلام وثمراته ، وما يخافونه من تبعاته ووظائفه وزواجره . ومن الواضح أن التمثيل هنا اتبع الطريقة القصصية في تفصيل صوره وأجزائه ، وجاء مبنيا على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى ، دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما . 2 - وقال تعالى في سورة الأعراف : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ