مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

187

الواضح في علوم القرآن

كما يلاحظ - أيضا - أن هذا التّكرار متناسق كل التناسق مع السياق الذي وردت فيه ، مما يجعل القارئ المتأمّل لكتاب اللّه تعالى يشعر وكأنّه أمام قصّة أو خبر لم يكن ليسمع به من قبل ، ويتنبّه إلى فوائد وعبر لم تكن لتخطر منه على بال . وخذ مثالا على ذلك : قصّة موسى عليه السلام - مع فرعون وقومه أو مع بني إسرائيل - وهي أكثر قصص القرآن تكرارا ، وانظر كيف أنها في كل موطن ذكرت فيه - أو أشير إليها - أفادت موعظة خاصّة ، وعبرة فريدة ، اقتضاها السياق القرآني ، تختلف عما أفيد منها في موطن آخر . 2 - جمال القصة في التكرار : وقصّة موسى عليه السلام نموذج للقصص القرآني - ومثلها غيرها - فمن تأمّلها بإمعان ودقة علم أن التّكرار في القرآن ليس تكرارا مطلقا ، من شأنه أن يبعث الملل في نفس القارئ أو السامع ، بل إنه تكرار أكسب القصّة القرآنية جمالا فنيا وروعة أسلوب . وخذ مثالا على ذلك : قصص الأنبياء ، فإنّ عرض هذا الشريط من قصصهم مرّات متعدّدة بتعدد أغراضها ، يخيّل للمتأمّل أنه نبيّ واحد ، وأنها إنسانية واحدة ، على تطاول الأزمان وتباعد الديار ، كلّ نبيّ يبعث يمرّ وهو يقول كلمته الهادية يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] ، فتكذّبه هذه الإنسانية الضّالّة ، ثم يمضي ويجيء تاليه ، فيقول نفس الكلمة ، ثم يمضي ، وهكذا لا يختلف الموقف ولا تختلف النتيجة من نصرة الحق ودحر الباطل . ب - العرض بالقدر الذي يحقق الغرض : تبعا للغرض الذي سيقت من أجله القصة القرآنية ، نجد القرآن تارة يذكر القصة بكامل تفصيلاتها ، وتارة يكتفي بذكر ملخص عنها أو إشارة إليها ، وتارة يتوسط بين هذا وذاك ، وربما اكتفى أحيانا بعرض حلقة من حلقاتها ، أو مشهد من مشاهدها ، وكل ذلك خاضع - كما قلنا - لما في حلقات القصة وجوانبها من أهمية وعظة .