مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

155

الواضح في علوم القرآن

فإنه لا يكاد يطرق السمع حتى يخلص إلى القلب ، وتجد منه النفس لذة وحلاوة ، لا تجدهما في غيره من الكلام ، يستوي في ذلك أصحاب القلوب القاسية وذوو الأفئدة الخاشعة ، فلقد سحر القرآن العرب منذ اللحظة الأولى ، فآمن منهم من شرح اللّه صدره للإسلام ، وكفر منهم من ختم اللّه على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة . ولا أدل على هذا التأثير النفسي الذي يؤكد إعجاز القرآن من ذلك القول الذي كان يتواصى به المشركون ، وحكاه عنهم القرآن : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] . ورغم ذلك فقد كانوا ينشدون إلى بيت محمد بن عبد اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - ليستمعوا لهذا القرآن الذي أخذ بمجامع قلوبهم وسحر عقولهم ، ولا غرابة وهو الكلام المنزل الذي يقول اللّه تعالى فيه : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] وقال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] . والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدا ، وليس غريبا عنك قول الوليد بن المغيرة فيه : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليحطم ما تحته ، وإنه ليعلو وما يعلى . وقول عتبة بن ربيعة : إني سمعت قولا ، واللّه ما سمعت بمثله قط ، واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ، ولا بالكهانة . فقال له القوم : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم « 1 » ، وما إسلام عمر « 2 » رضي اللّه عنه وأمثاله عنك ببعيد .

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 2 / 506 ) وانظر السيرة النبوية لابن هشام ( 1 / 72 ، 78 ) والإتقان ؛ للسيوطي ( 2 / 1004 ) . ( 2 ) انظر قصة إسلام عمر في أسد الغابة ( 4 / 54 ) وشرح المواهب ( 1 / 317 ) .