محمود محمد الحنطور

53

النسخ عند الفخر الرازي

اعتمد الرازي في إثبات النسخ ووقوعه على عدة أدلة فصلها في المحصول والتفسير وهي : الدليل الأول : دلت الدلائل القاطعة على نبوة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ونبوته لا تصح « 1 » إلا مع القول : بنسخ شرع من قبله ، فوجب القول بالقطع على النسخ ، وهذا يعنى أن ما جاء محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا بالصدق ، ومعجزاته دالة ومشيرة إلى ذلك ، ولا يستطيع منكر أن ينكر نسخ الشريعة الإسلامية لما قبلها ، وأن الدين عند الله الإسلام ، ومن يبتغ غيره ، ويطلب ما نسخه فلن يقبل منه ، بل هو من الخاسرين ، وأن ما جاء به الإسلام هو ما نطق به محمد قرآنا عربيا غير ذي عوج ، وسنة صحيحة صادقة ، ليس خاصا بالعرب وحدهم بل للجميع ، وللبشر كافة ، فكان نسخ شرع من قبلنا بشريعة محمد جائز عقلا وواقع عملا ، ولا محال فيه ، ما دام أن الكل من عند اللّه تعالى فهو أعلم حيث يضع رسالته ، واللّه ألطف بنا من أنفسنا ، فلا مجال للإنكار ، ولا طريق للرجوع عن قبول النسخ ، ولا بداء كما يقول اليهود وغيرهم ، فعلم اللّه تعالى ثابت لا يتغير ولا يتبدل ، وخلاصة هذا الدليل أن اللّه تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، وأن أحكام اللّه التي شرعها للعباد يراعى فيها مصالحهم ، والمصلحة حيثما توجد فثم شرع اللّه تعالى يتحقق ، فلا ريب أن ذلك يجعل النسخ أمرا لا بدّ منه لحاجة العباد إليه ،

--> ( 1 ) الرازي : المحصول : 1 / 3 / 441 . - الرازي : التفسير الكبير 3 / 227 .