محمود محمد الحنطور

35

النسخ عند الفخر الرازي

شغلت قضية النسخ عقول العلماء قديما وحديثا ، ما بين مثبت له في القرآن الكريم ، والشرائع السابقة عليه ، وبين ناف له ، ظنا أن النسخ قصور في علم الله تعالى أو نقص عنده لا يجوز عليه ، والأمر أبعد من ذلك بكثير ، قال في الإيضاح « 1 » « الله تعالى قد علم ما يأمر به خلقه ويتعبدهم به ، وما ينهاهم عنه قبل كل شئ ، وعلم ما يقرهم عليه من أوامره ونواهيه وما ينقلهم عنه إلى ما أراد من عبادته ، وعلم وقت ما يأمرهم وينهاهم ووقت ينقلهم عن ذلك قبل أمره لهم ونهيه بلا أمد ، وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده ، فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه من صلاحهم في ذلك الوقت ، وقد علم أنه يزيلهم عن ذلك في وقت آخر لما علم فيه من صلاحهم في ذلك الوقت الثاني ، فهو تعالى لم يزل مريدا للفعل الأول إلى الوقت الذي أراد فيه نسخه ، ومريدا لإيجاب بدله أو إزالة حكمه لغير بدل في الوقت الذي أراد رفع الحكم الأول ، فينسخ بحكمه مأمورا به بمأمور به آخر ، فأمره هو كلامه ، صفة له ، لا تغيير فيه ولا تبديل ، وإنما التغيير والتبديل في المأمور به ، فافهم هذا ، فإن أهل البدع ربما لبّسوا في ذلك ، وجعلوا التغيير والتبديل في أمره ، ليثبتوا خلق القرآن ، تعالى الله عن ذلك ، لا تبديل لكلماته ، ونظير ذلك وتمثيله مما لا خفاء به على ذي لب . إن الله تعالى قدر في غيبه الأول بلا أمد تغيير الشرائع وتبديل الملل على ألسنة الأنبياء المرسلين - عليهم السلام - واختلاف أحكامها كما أراد ، فأتى كل رسول قومه بشرع شرعه الله له مخالف

--> ( 1 ) مكي بن أبي طالب : الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه 48 - 50