محمود محمد الحنطور

25

النسخ عند الفخر الرازي

لا شك أن الرازي عالم متعدد الجوانب ، كثير المنافع لمن حوله ولمن أتى بعده ، وهذا يتطلب من الرازي أن لا يقصر همه على علم بعينه أو فن بذاته ، فأخذ من كل العلوم بأطراف متينة ، وثقافة قويمة ، ولكنه رجع عن علوم ظنها تفيده ، وليست كذلك ، مثلي ما فعله مع علم الكلام واشتغاله به ، وما جرّ عليه الخوض فيه من آلام وأسقام جعلته يتمنى عدم شغله به ، وصرف همه إلى غيره من المهم والمفيد ، مما جعل ابن حجر العسقلاني يقول « وأوصى الرازي بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده » « 1 » وهذا ما كشفت عنه الوقفة الأولى في وصية الرازي التي كتبها قبل موته ، معترفا بصواب منهج القرآن في إثبات العقيدة الصحيحة ، وخطأ ما عداه من المناهج والطرق التي سلكها هو ، وتبين زيفها وقصرها قال « 2 » « ورأيت الأصلح والأصوب طريقة القرآن ، وهو ترك الرب ، ثم ترك التعمق ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل ، فأقرأ في التنزيه قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] ، وقوله تعالى : فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، وقوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] وأقرأ في الإثبات قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وقوله تعالى :

--> ( 1 ) ابن حجر العسقلاني : لسان الميزان 4 / 429 . ( 2 ) الذهبي : تاريخ الإسلام 43 / 218 - 222 .