محمود محمد الحنطور
18
النسخ عند الفخر الرازي
الرازي بين المدح والذم : الفخر الرازي مدحه كثيرون ، وذمه آخرون ، وهذه طبيعة الكبار من الرجال يختلف الناس حولهم ما بين مادح وقادح ، والعبرة بما بقي وأصبح تراثا خالدا من أقواله وأعماله وأفكاره التي يتجدد عطاؤها يوما بعد يوم ، حتى عدّه العلماء على رأس المائة السادسة من المجددين لها ، الذين أحيوا ما اندرس من الدين ، واجتهد فيما جدّ على عصره من شؤون وعلوم ، ذكر الذهبي عن أبي شامة قوله « وقد رأيت جماعة من أصحابه قدموا علينا دمشق ، وكلهم كان يعظمه تعظيما كبيرا ، ولا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضيلته كلام يستبشع ، لعله من صاحب غرض من حسد ، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة » « 1 » . وهذه شهادة جليلة القدر من عالم رفيع القدر في النقد والرجال والجرح والتعديل ، وهي خير دليل على أن الرجل أي الرازي ثارت حوله الأحقاد ، وكثر فيه الحساد ، وهذا ليس غريبا على مثل هذه الشخصية الفذة ، التي نبغت في كل العلوم ، وناقشت ، وناظرت ، وتصوفت « 2 » حينا ثم رجعت إلى صوابها من الالتزام بطريقة السلف ، قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح حدثني القطب الطوغانى مرتين أنه سمع الفخر الرازي يقول « يا ليتني لم أشتغل بالكلام وبكى » « 3 » ، وما ذلك إلا لعدم الفائدة من هذا العلم ، وقلة جدواه ، فهو مشغلة بدون فائدة .
--> ( 1 ) الذهبي : تاريخ الإسلام 43 / 216 . ( 2 ) ابن كثير : البداية والنهاية 17 / 11 . ( 3 ) الذهبي : تاريخ الإسلام 43 / 218 .