محمود محمد الحنطور

104

النسخ عند الفخر الرازي

مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [ البقرة : 144 ] . قال الرازي « 1 » : القول المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن هذه الآية كانت لانتظار تحويل القبلة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من بيت المقدس إلى الكعبة ، وذكروا وجوها تدل على ذلك ، منها أن الرسول كان يرجو عند التحويل رغبة العرب في الإسلام والمباينة عن اليهود ، وتمييز الموافق من المنافق ، فلهذا كان يقلب وجهه في السماء ، وهذا التوجيه للآية أولى وإلا لما كانت القبلة الثانية ، ناسخة للأولى ، بل كانت مبتدأة ، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى ، ولا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه ، قال الرازي في المسألة الرابعة « 2 » من التفسير : والمشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخا ، بالأمر بالتوجه إلى الكعبة ، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم صار منسوخا بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ واحتجوا عليه بالقرآن والأثر ، أي أن الأمر في القبلة الثابتة في السنة نسخها قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم نسخ التخيير فيها بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فالآية على هذا ناسخة للسنة منسوخة بالقرآن . قال الرازي واحتجوا على هذا الرأي بقوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم ذكر بعده قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ثم ذكر بعده قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ وهذا الترتيب يقتضى صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه

--> ( 1 ) الرازي : التفسير الكبير 4 / 110 . ( 2 ) الرازي : التفسير الكبير 4 / 111 .