بن عيسى باطاهر
95
المقابلة في القرآن الكريم
المقابلة لأداء غرض بلاغي محدود هو تحسينه وتنميقه ؛ بل إنها طريقة رائعة في العرض ، وإنها أبرزت القيم الفكرية والمعنوية ، التي يريد القرآن الكريم توصيلها إلى النفوس . وقال تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) [ التوبة : 17 - 18 ] . يتحدث القرآن الكريم بطرق كثيرة عن صور الخير والشر كما يراها في واقع الناس ، وفي هاتين الآيتين المتقابلتين تقابل تضاد حديث متميز عن الخير والشر من أشكالهما ، والآيتان كسابقتيهما تتحدثان عن صنفين من الناس ، وعن طبيعة كل صنف ، وتبرزان الحقيقة الكبرى التي يريد القرآن توضيحها وهي تمييز الخبيث من الطيب ، والمنكر من المعروف . ومن القيم المعنوية والفكرية التي أدتها الآيتان أنّ اللّه سبحانه منع المشركين من دخول المساجد ، وهو هنا مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله تعالى : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 1 ] ، ولما اتصل بتلك الآية من بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر الصديق ؛ أن لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، وهو توطئة لقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] ، والتعامل مع المشركين جاء معللا بكفرهم وشركهم بوحدانية اللّه « 1 » . والمتّصف بهذه الصفة محروم من دخول المسجد وعمارته ، لأن مساجد اللّه هي حقّ للّه وحده ، ثم هي أقيمت لعبادة اللّه لا لغيره ، والكعبة هي بيت اللّه الحرام القائم على التوحيد منذ أول يوم بني فيه ، ولذلك كلّه استحقوا
--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 - ص 139 - 140 .