بن عيسى باطاهر
83
المقابلة في القرآن الكريم
وكلمة « الحق » في الاستعمال القرآني هي الخير النافع بأشكاله كلّها فاللّه هو الحق قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [ الحج : 62 ] ، والإيمان باللّه خير ، والفضيلة خير ، والتقوى خير ، وكل ما يراه الشرع الإلهي مناسبا للفطرة ، وموافقة لمراد اللّه فهو خير ، فمعنى الخير في القرآن أوسع كثيرا من معناه الأخلاقي المتداول بين أهل الفكر والفلسفة ، أما الباطل فهو نقيض الخير ، وهو الشر بأشكاله كلها ابتداء بالطاغوت والشيطان اللذين هما سببا الشر ، وانتهاء بالرذيلة والفساد في الأرض « 1 » . والقرآن الكريم لا يحفل بالنظر الفلسفي في حقائق الأشياء ، ولا يعنى بالجدل اللفظي حول ماهية الخير والشر ، لأن غاية القرآن ليست في إقامة جدل عقلي عقيم ، وتخريج الفلاسفة والحكماء ، وإنما رسالته قائمة على تربية النفس ، وتصحيح التصوّر ، وتقويم الخلق ، وإقامة العدل والخير في المجتمع المبني على أساس المنهج الإلهي « 2 » ، كما أن رسالة القرآن هي رسالة إقناعية تأثيرية تريد أن تأخذ بيد الإنسان إلى الاعتراف والاقتناع بمنهج اللّه في كل شيء على وجه هذه الأرض ، إنّها رسالة تهدف إلى مزج العقائد السليمة بالعقول والقلوب كي يسير الإنسان وفق معرفته لها بخطى ثابتة ، وعلى منهج سليم . لكنّ السؤال الذي قد يثار دائما هو : لما ذا خلق اللّه الشرّ ؟ ولما ذا أقام اللّه هذه المقابلة المتواصلة بين الخير والشر في هذه الحياة ؟ وجواب القرآن على ذلك هو للابتلاء والاختبار ، قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : 35 ] ، هذا تعليل القرآن أما لما ذا لم تمحض الحياة للخير فقط ؟ فقد تجنّب الإسلام - منذ قام - إيقاظ هذه الفتنة فلم يطرق بابها من أية جهة ، ولم يشر إليها من قريب أو بعيد ، والحكمة في هذا ظاهرة لا جدوى من
--> ( 1 ) ينظر أحمد عز الدين البيانوني - الحق والباطل - ص 5 - 6 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 884 - 885 .