بن عيسى باطاهر
81
المقابلة في القرآن الكريم
العلماء والأدباء ، وبين الأثر النفسي والذهني لهذا القرآن ، فلم أقع على شيء البتة ، وفقد أحكم بأنّ كتابا ما صدر من مؤلف في عصر كذا ، وأن جنسية هذا المؤلف ومزاجه وأهدافه هي كيت وكيت ، أما بعد قراءة القرآن فأجزم أن قائل هذا الكلام محيط بالسماوات والأرض ، مشرف على الأولين والآخرين ، خبير بأغوار الضمائر ، وأسرار النفوس ، يتحدث إلى الناس تحدّث السيد الحقيقي إلى عباده الذين خلقهم بقدرته ، وربّاهم بنعمته ، ويتناول الأمم والقرون في هالة من الجبروت والتعالي ، يستحيل أن تلمح فيها شارة لتكلّف أو ادّعاء » « 1 » . أ - المقابلة بين الخير والشر : الخير غريزة معنوية وقد يكون قيمة مادية ، وضده الشر ، ومفهوم الخير « أنه ما يرغب فيه الكلّ كالعقل مثلا والعدل والفضل والشيء النافع ، وقيل : الخير ضربان ، خير مطلق : وهو ما يكون مرغوبا فيه بكلّ حال ، وعنده كل أحدهما وصف النبي صلى اللّه عليه وسلّم به الجنة فقال : « لا خير بخير بعده النار ، ولا شرّ بشرّ بعده الجنة » « 2 » ، وخير وشر مقيدان وهو أنّ خير الواحد شرّ للآخر كالمال الذي ربما كان خيرا لزيد وشرا لعمرو ، ولذلك وصفه اللّه تعالى بالأمرين فقال في موضع إِنْ تَرَكَ خَيْراً [ البقرة : 180 ] ، وقال في موضع آخر أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : 55 - 56 ] ، فقوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالا ، وقال بعض العلماء : لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيّب » « 3 » . لقد أقام اللّه سبحانه وتعالى أمر الدنيا والآخرة على أساس المقابلة والقضاء بين الخير والشر ، وهو ما يفهم من نصوص القرآن الكريم والسنة
--> ( 1 ) نظرات في القرآن الكريم - ص 143 - 144 . ( 2 ) الفيروزآبادي - بصائر ذوي التمييز - ج 2 - 572 . ( 3 ) بصائر ذوي التمييز - للفيروزآبادي - ج 2 - ص 572 .