بن عيسى باطاهر
77
المقابلة في القرآن الكريم
تختار هذه الآيات طريقة المقابلة في العرض ، فهي تقابل بين فريق المؤمنين وفريق المنافقين وتبين صفات كل فريق ، وتبرز في النهاية العلاقة المتناقضة بين الوحدانية والنفاق . والقيمة الدينية والفكرية التي تهدف الآيات إلى بيانها هي أن طبيعة النفاق تختلف اختلافا جوهريا عن طبيعة الإيمان ، وبخاصة إذا تعلق الأمر بقضية الجهاد في سبيل اللّه الذي هو أحد أركان الإيمان الأساسية ، فمن صفات المؤمنين أنهم يستأذنون في الخروج أو القعود كراهة أن يجاهدوا ؛ بل إذا أمرهم الرسول بشيء ابتدروا إليه ، وكان الاستئذان في ذلك الوقت علاقة النفاق ، أما المنافقون فيفضلون الاستئذان والقعود « 1 » . فالقاعدة التي لا تخطئ أبدا هي أن المنافقين هم المترددون في الخروج الملتمسون للأعذار لعلّ عائقا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بواجب الجهاد ، وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والسبب في ذلك راجع إلى عدم إيمانهم باللّه وخلوّ قلوبهم من التقوى واليقين « 2 » . فطبيعة التوحيد تقابل طبيعة النفاق تقابل المتضادات ، فلا يمكن أن يجتمع الإيمان والنفاق في قلب سليم ، ومن هنا جعل القرآن النفاق كفرا ، وآفة خطيرة تهدد كيان المجتمع المسلم . وحديث سورة التوبة عن النفاق واسع ومستفيض حتى إنها سميت بالفاضحة والكاشفة ، لفضحها المنافقين ، وكشفها لجميع أنواع النفاق الظاهرة والباطنة ، ولا يمكن في هذا المقام دراسة جميع جزئيات الموضوع ، وستأتي الدراسة التفصيلية في الجانب التطبيقي من هذه الدراسة . * * *
--> ( 1 ) ينظر أبو حيان الأندلسي - تفسير البحر المحيط - ج 5 - ص 427 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 ص 1662 .