بن عيسى باطاهر
72
المقابلة في القرآن الكريم
والمقابلة الثانية التي اهتمت سورة التوبة بعرضها بشكل بارز هي الوحدانية وشرك أهل الكتاب ، وقد ميزت السورة في عرضها لموضوعاتها بين الشرك العام ، وهو الشرك الذي كان ملازما لقريش وبعض القبائل العربية التي كانت تعبد الأصنام وتجعلها أندادا للّه ، وبين شرك أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين اتخذوا من بعض أنبيائهم وأحبارهم أربابا من دون اللّه ، فشرك أهل الكتاب هو شرك خاص متميّز ، ولذلك فصلت السورة الكريمة الحديث عنه ، وقابلت بينه وبين الوحدانية الخالصة للّه تعالى ، وسنعرض الآن لبعض الآيات التي فيها مقابلة بين الوحدانية وشرك أهل الكتاب لبيان القيم المختلفة التي تفيدها هذه الآيات مع بيان الغاية المعنوية والبلاغية من عرض هذه المقابلات . قال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 30 - 31 ] . الحديث في هذه الآيات هو عن شرك أهل الكتاب في مقابل الوحدانية التي أمرهم اللّه بها فما رعوها حقّ رعايتها ، والآيات تتحدث حديثا مباشرا عن صور الشرك الذي ابتدعه اليهود والنصارى وتعدّوا به على خصائص الوحدانية ، وشابهوا به مشركي العرب . فالآيات تبين انحراف اليهود والنصارى في تصورهم عن اللّه ، فقد لحقوا بأهل الشرك ، وإن اختلفت طرق الشرك ، فلا فرق بين من يعبد الصنم ومن يعبد المسيح وغيره « 1 » .
--> ( 1 ) أبو حيان الأندلسي - تفسير النهر الماد من البحر المحيط - تقديم وضبط بوران الضناوي وصاحبه - ط دار الجنان 1987 م ج 1 ص 963 .