بن عيسى باطاهر

70

المقابلة في القرآن الكريم

فيه ، ولذلك كله استحق المشركون درجة الحرمان من عمارة هذا المسجد ، وشهادتهم بالكفر أيضا تستفاد من قولهم بالطواف : لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، وقولهم إذا سئلوا عن دينهم : نعبد اللات والعزى ، أو تكذيبهم الرسول « 1 » . أما النموذج الذي يستحق عمارة مساجد اللّه فهو على النقيض من الصنف الأول في كل شيء ، إنه صنف أول صفاته الإيمان باللّه تعالى ثم العمل بمقتضيات هذا الإيمان كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقصر الخشية للّه وحده ، وهذا النموذج هو الممثل الحقيقي للوحدانية التي يريدها القرآن الكريم . والغاية من هذه المقابلة بين الوحدانية والشرك المتمثلين في النماذج البشرية هي بيان صفات المشركين الكافرين ، وفي مقابل ذلك بيان صفات المؤمنين الموحّدين ، وبيان الصنف المستحق للهداية والرحمة ، والصنف المستحق للخزي والعذاب . وقال تعالى أيضا : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ التوبة : 19 ] . هذه الآية كما هو ملاحظ تعتمد على طريقة المقابلة في العرض ، فقد قابلت بين نموذجين من البشر ، كل نموذج يشمل اتجاها عقديا خاصا به ، فالنموذج الأول : يتمثل في المشركين ، أما النموذج الثاني من البشر : فمتمثل في المؤمنين ، وقد قابلت الآية بين المؤمنين والمشركين للفصل والتفريق بين التوحيد والشرك ، قال الزمخشري ( 538 ه ) : « المعنى إنكار أن يشبّه المشركون بالمؤمنين ، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة ، وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر » « 2 » .

--> ( 1 ) أبو حيان الأندلسي - البحر المحيط - ج 5 - ص 386 . ( 2 ) الكشاف - ج 2 ص 256 .