بن عيسى باطاهر
59
المقابلة في القرآن الكريم
وقال ابن قيم الجوزية ( - 751 ه ) : « الطاغوت ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إلى غير اللّه ورسوله ، أو يعبدونه من دون اللّه ، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللّه ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنّه طاعة اللّه » « 1 » . وقال الفيروزآبادي : « الطاغوت : اللات والعزى والكاهن والشيطان ، وكل رأس ضلال والأصنام ، وكل ما عبد من دون اللّه » « 2 » . فالطاغوت إذن هو كل ما عبد من دون اللّه ، وكل ما يتخذه الإنسان إلها وربا ومشرّعا دون اللّه هو طاغوت ، وقد ذكر أنّه متعدد الألوان ، متنوع الأشكال ، ليست له صورة واحدة يعرفه الناس بها ، فلكل قوم طاغوت قد يتشكل في صورة صنم أو إنسان ، أو شجرة ، أو قبر ، أو كاهن ، أو أرض ، أو هوى ، كل هذه الأشكال وغيرها من الأشكال الكثيرة التي يتعدّى بها البشر على خصائص الألوهية ، ويتجاوزون الحدود ، مع أنّ اللّه تعالى « قد شاءت إرادته أن يخلق البشر باستعداد للهدى والضلال ، وأن تدع مشيئتهم حرّة في اختيار أي الطريقين ، ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين ، بعد ما بثّ في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل ، حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار ، ثم شاءت رحمة اللّه بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده ، فوضع لهذا العقل ميزانا ثابتا في شرائعه التي جاءت بها رسله ، يثوب إليه العقل كلما غمّ عليه الأمر » « 3 » . إن القرآن الكريم يقرر كلمته الأخيرة التي ستبقى إلى يوم الدين فهو يسوق فكرة الوحدانية بأسلوب تقابلي مع الطاغوت الذي يناقض بكل أشكاله هذه
--> ( 1 ) سليمان بن عبد الوهاب - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد - ص 50 . ( 2 ) بصائر ذوي التمييز - ج 3 - ص 509 . ( 3 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 4 - ص 2170 .