بن عيسى باطاهر

56

المقابلة في القرآن الكريم

أما الأضداد والأنداد التي قابل بها البشر إلههم الحقّ ، والتي أجملها القرآن الكريم كلها في لفظ الطاغوت ، فهي من صنع البشر أنفسهم ، وقد تجاوزوا بها الحدّ في التعدي على خصائص الألوهية الحقّة ، ولذلك قال تعالى في جدالهم وحجاجهم : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ يوسف : 40 ] . وقال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم : 81 - 82 ] . فالبشر كما يذكر القرآن هم الذين يصنعون الطاغوت ، ويتّخذون منه أصناما وآلهة من غير دليل ولا برهان ، وكلها من جعل أنفسهم ، وسمّوها تسمية هي من تلقاء أنفسهم كذلك ، ثم يتلقاها الخلف عن السلف « 1 » . وحين تقرّر بأن الوجود الإنساني كله مبنيّ على التقابل بين الموجودات بدليل القرآن الكريم ، فإنّ ذلك يعني أن التقابل ضرورة من ضرورات الحياة ، فالعقل البشري نفسه في أصل خلقته جبل على أن يقابل بين المتضادات ، فهو « ينزع دائما إلى المزاوجة بين الأشياء التي تعرض له ، وتدور في محيط تفكيره ، فلا يكاد أمر من الأمور يقع في مجال النظر العقلي حتى يستثير له العقل من عالم الواقع أو عالم الخيال كائنا آخر يقف منه موقف التضاد والعناد ، يرى فيه كل الصفات السلبية للأمر الذي بين يديه ، فإذا ذاق المرء طعما حلوا ، ذكر الطعم المرّ ، وإذا لمس اللّين استشعر الخشن ، وإذا فكّر في الحق تذكّر الباطل ، مثنى مثنى ، الأمر وضده ، ومحال أن يعترف العقل في عالم الواقع بالوجود الفردي لشيء من الأشياء أو معنى من المعاني حتى لكأن الأشياء والمعاني

--> ( 1 ) إسماعيل بن كثير - تفسير القرآن العظيم - ط 1 الدار المصرية اللبنانية : القاهرة 1988 م ج 2 ص 402 .