بن عيسى باطاهر
52
المقابلة في القرآن الكريم
أو أمرين أو شخصين تكون ليعرف أيهما المؤثر في عمل معين ، وإذا ثبت أن التأثير لواحد منهما كان له فضل التقدم على غيره ، وقد كان ذلك النوع من ينابيع الاستدلال كثيرا في القرآن الكريم « 1 » . إن فكرة « الوحدانية » هي الفكرة الأساسية في القرآن الكريم ، وقد لوّن الأسلوب القرآني في طرق عرضها لأغراض كثيرة تتعلق بالإقناع والتربية والتأثير ، والمقابلة هي إحدى طرق العرض التي جاءت لتفصل بين المتضادات ، بين المعبود بحقّ ، وبين الآلهة التي اتخذها البشر أندادا للّه ، قال تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 21 - 24 ] . إنّ هذا الدليل القرآني الذي سيق لتقرير حقيقة الوحدانية قائم على المقابلة بين فكرتين ، إحداهما : افتراضية تثبت وجود آلهة من دون اللّه ثم تجعل من الفساد في الكون مقتضى من مقتضيات هذا الوجود نظرا لتنازع الإرادات بين سلب وإيجاب ، وثانيهما : فكرة مناقضة تماما للفكرة الأولى ، وهي فكرة وجود إله واحد متفرد في الكون لا ترى في خلقه فسادا يذكر ، ويسمي علماء الكلام هذا الدليل دليل التمانع أي امتنعت الوثنية لامتناع الفساد ، فكانت الوحدانية « 2 » . وقد جاء في سياق هذه الآية العظيمة طلب الدليل من الذين يدعون وجود آلهة أخرى من دون اللّه ، وقد ثبت لديهم بالدليل العقلي والحسي ما يثبت وحدانية اللّه تعالى ، وينفي التعدد ، وقد تناول القرآن الكريم ذلك في آيات أخرى منها قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [ الإسراء : 42 ] ، ومعنى الآية : « لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه ، ومضاهاته في قدرته ، وهذه
--> ( 1 ) محمد أبو زهرة - المعجزة الكبرى للقرآن - ط دار الفكر العربي - ص 354 . ( 2 ) محمد أبو زهرة - المعجزة الكبرى للقرآن - ص 377 .