بن عيسى باطاهر
5
المقابلة في القرآن الكريم
مقدمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه الطّيبين الطاهرين . وبعد ، فإن القرآن الكريم هو كتاب اللّه العظيم ، وحبله المتين ، وهو كتاب الإنسانية الخالد الذي اجتمعت فيه عناصر الإعجاز في جوانبه المختلفة ، واكتملت فيه وسائل الدعوة والإقناع في مواضعه كلّها ، فكان نورا وبرهانا للعالمين ، قال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] . والقرآن الكريم هو الكتاب الذي حرّك همم الدارسين ، ونشّط عزائم الباحثين منذ نزوله وإلى الآن ، فقاموا يبحثون عن سرّ إعجازه ، وقوّة بلاغته ، ومتانة نظمه ، وجمال تعبيره ، وتوصلوا بعد عناء البحث ، وكثرة الجهد ، إلى معرفة الكثير من حقائقه ، ولكن مع هذا الإصرار على كثرة الدرس ، ومشقة البحث ما زلت ترى في هذا القرآن عجبا ، فما زالت أسراره باقية لا تنفد ، وما زالت عجائبه ظاهرة لا تنقضي ، وما زالت الهمم إليه متوجهة ، والعزائم نحوه متوهجة رغبة منها في إدراك حقائقه ، وفهم مقاصده . وهذه دراسة من جملة هذه الدراسات القرآنية التي تبحث في بلاغة التعبير ، وجمال التصوير ، وبراعة النظم ، وقد قصدت بها إلى البحث في أسلوب من الأساليب البلاغية التي يعتمد عليها القرآن الكريم في عرض