بن عيسى باطاهر
43
المقابلة في القرآن الكريم
بين النفي والإثبات أبلغ صيغ الحصر ، وقد ثبت العلم الضروري بالاكتفاء بهذه الكلمة الشريفة في إثبات التوحيد للّه تعالى « 1 » . لقد ركّز القرآن الكريم في عرض قضية الوحدانية على محورين رئيسيين يقوم عليهما التفسير الكامل والمفصّل لكلمة « لا إله إلّا اللّه » ، وهما يشكلان تقابلا بين النفي والإثبات الذي تحدده كلمة التوحيد هذه ، فقد جاء نفي التعدد أولا بقوله ( لا إله ) ثم أتبع بالإثبات ( إلّا اللّه ) لتقرير حقيقة الوحدانية والتفرد للّه وحده دون ندّ أو شريك ، وهذا النفي والإثبات هما في حقيقتهما المقابلة الكبرى ( اللّه والطاغوت ) التي يقوم عليها القرآن الكريم كلّه ، بل إن الوجود الإنساني بكامله قائم على هذه المقابلة . قال ابن قيم الجوزية ( - 751 ه ) : « طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات ، فينفي عبادة ما سوى اللّه ، ويثبت عبادته ، وهذا هو حقيقة التوحيد ، والنفي المحض ليس بتوحيد ، وكذلك الإثبات بدون النفي ، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات ، وهذا حقيقة ( لا إله إلّا اللّه ) » « 2 » . والمحور الأول الذي يدور حوله نفي التعدد ، وإبطال الشرك يأتي في مقدمات بناء التصور الإسلامي ، الذي يهدف إليه القرآن الكريم ، فالشرك في حقيقته هو تجاوز للحد ، وتعدّ على خصائص الوحدانية ، لأنّه تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى ، وفي هذا تجاوز وتعد على الوحدانية التي تمتاز بالكمال المطلق من جميع الوجوه « 3 » ، وغاية حديث القرآن عن نفي الشرك والتعدد هو تعريف الناس بما قد يشوب تصورهم الصحيح عن الوحدانية من انحراف ، وما
--> ( 1 ) بدر الدين الزركشي « معنى لا إله إلا اللّه » - تحقيق علي محيي الدين علي القرهداغي - ط 3 دار البشائر الإسلامية : بيروت 1986 - ص 83 . ( 2 ) سليمان بن عبد الوهاب - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد - ط 3 المكتب الإسلامي - ص 51 . ( 3 ) نفسه - ص 115 .