بن عيسى باطاهر

228

المقابلة في القرآن الكريم

وفي الآية محسن الاحتباك ، إذ حذف مقابل ، أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ ، وهو من يدخل الجنة ، وحذف مقابل ، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً ، وهو من يأتي خائفا وهم أهل النار « 1 » . وأسلوب العرض بالتقابل في هذه الآية يساهم مساهمة فعالة في عملية الإقناع ، إذ يعطي للنفس البشرية مجالا للتفكير في الشيئين المتقابلين ، ليأتي بعد ذلك الحكم على أيهما أحق بالاتباع ، وعلى أيهما أولى بالاختيار . فبعد عرض هذه النماذج القرآنية القليلة يمكن أن نستنتج أن المقابلة هي إحدى وسائل الإقناع في القرآن ، وهي تؤدي وظيفة كبيرة في تحريك قوى النفس بما تمنحه للمعاني من قوة وحسن ، وللتعبير من تناسق وجمال . ( د ) المقابلة وغاياتها الفنية : تؤدي المقابلة دورا كبيرا في الأسلوب القرآني ، فهي من الأساليب القادرة على مخاطبة قوى النفس جميعها ، وذلك بتحريك قوة العقل ، وتنشيط قوة الشعور ، وتفعيل غريزة حبّ الاستطلاع ، وذلك لتلبية حاجات النفس المتطلعة دائما إلى المتعة الوجدانية ، والنكتة العقلية ، والراغبة في الأسلوب الجميل ، والمعنى العميق . والمقابلة بانسجامها مع بقية الأساليب - وبخاصة أسلوب التصوير - تضفي جمالا فنيا خاصا على التعبير ، ومنشأ هذا الجمال وجود الصور المتقابلة ، والألوان المتباينة ، والنماذج البشرية المختلفة ، والحقائق الدينية المتناقضة ، وغير ذلك من الأشياء المتضادة في طبائعها وأشكالها . ولا يتأتى هذا الجمال الفني في التعبير القرآني من مجرد الجمع بين الأشياء المتقابلة ، فذلك أمر ميسور في أساليب البشر ، بل إنه يتأتى من انسجام كامل

--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 24 - ص 304 و 305 .