بن عيسى باطاهر

226

المقابلة في القرآن الكريم

كبير الأثر في التمييز بين الأشياء ، ومعرفة الصواب من الخطأ ، والحسن من القبيح ، كما أن المقابلة تفتح أمام العقل البشري آفاقا واسعة للتفكير في طبائع الأشياء المتناقضة ، وتعطيه مجالا رحبا للموازنة الهادئة المبنية على الأدلة والبراهين ، وتأتي بعد هذه الخطوات فرص الإقناع بما هو حق ، ودحض ما هو باطل . وقال تعالى في الاستدلال على صدق الرسالة : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) [ الفرقان : 4 - 6 ] . في هذه الآيات مقابلة بين الشبهات التي ساقها الكفار في إبطال المصدر الرباني للرسالة التي جاء بها محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبين الأدلة البديهية التي ساقها القرآن في الرد عليهم ، وفي الاستدلال على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى ربانية المصدر القرآني . لقد قال الكفار عن القرآن الكريم إنه كذب وإفك ، وإنه أساطير قديمة افتراها مدعي النبوة ثم نسبها إلى اللّه ، وإنه تلقى الإعانة ممن لهم علم بالكتب السماوية السابقة ، ويسوق القرآن جوابه بإيجاز بليغ ، دون أن يجادل أو يناقش بعنف ، إن أقاويلهم هذه كلّها ظلم وزور ، وإن القرآن الكريم يمليه على محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي يعلم الأسرار جميعا ، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 6 ] . يقول الفخر الرازي ( - 606 ه ) : « إنّ هذا القدر يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن ، وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية . . . ولو استعان محمد - صلى اللّه عليه وسلم - في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي - ج 24 - ص 50 .