بن عيسى باطاهر
209
المقابلة في القرآن الكريم
فبلاغة القرآن وبيانه ، وأسلوبه ونظمه ، ومعانيه وطرق عرضه ، كلّ ذلك من جملة الخصائص التي دار حولها الإعجاز ، وحقّقت غايات القرآن في التأثير والإمتاع ، والهيمنة والإقناع ، يقول الخطابي ( - 388 ه ) : « اعلم أن القرآن الكريم إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمنا أصحّ المعاني ، من توحيد له عزّت قدرته ، وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساوئها ، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه » « 1 » . وقد ذكر في السابق أن البلاغة القرآنية هي سرّ الإعجاز وهي أداة التوصيل والتأثير والإقناع ، وهي التي أعطت للقرآن الكريم ميزة الحديث الحسن الذي عدّ في أعلى مستويات فنون القول ، قال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] . ولما كان للبلاغة هذه الوظيفة وجب أن تكون معلّلة للنّاس في كل عصر ومكان ، ووجب أن تنصب حولها الأبحاث لدراسة الخصائص المتميزة للأسلوب القرآني البليغ ، وقد كان من جملة ما توصلت إليه هذه الأبحاث في العصر الحديث ما يلي « 2 » : أ - من خصائص أسلوب القرآن القصد في اللفظ ، والوفاء بحق المعنى : فهذه ميزة لم تعرف لغير القرآن ، لأن أبلغ البلغاء من الناس لا يستطيع أن يأتي
--> ( 1 ) بيان إعجاز القرآن - ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق محمد خلف اللّه أحمد ، ومحمد زغلول سلام ، ط 2 دار المعارف : القاهرة ، 1986 م - ص 27 ، 28 . ( 2 ) ينظر : النبأ العظيم - محمد عبد اللّه دراز - ص 103 ، 111 .