بن عيسى باطاهر
205
المقابلة في القرآن الكريم
[ التوبة : 122 ] ، فقد فهم المفسرون من هذه الآية أنّها تدعو إلى الاجتهاد ، وتنبذ التقليد ، قال أبو حيان في « البحر المحيط » : « والذي يظهر أنّ هذه الآية إنمّا جاءت للحض على طلب العلم والتفقه في الدين وأنّه لا يمكن أن يرحل المؤمنون كلّهم في ذلك فتعرى بلادهم منهم ويستولي عليها وعلى ذراريهم أعداؤهم ، فهلّا رحل طائفة منهم للتفقه في الدين ولإنذار قومهم » « 1 » . فهذه الآية لم تسقط الاجتهاد عن الجميع ، ولا أمرت به الكافة ، إنها نصت على أن ينفر من كل فرقة طائفة لمعرفة أحكام اللّه ودراستها وفقهها بجدّ ، وصيغة « ليتفقهوا » تدل على ذلك ، لأنّ صيغة التفعل للتكليف وبذل الجهد « 2 » . وقال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 124 - 125 ] . لقد قابلت هذه الآية بين طبيعتين من البشر ، طبيعة أهل الإيمان الذين يقفون من الحقّ موقف المقتنع والمؤيد ، وطبيعة أهل النفاق الذين يقفون من الحقّ موقف المعارض والمتردد ، ويرجع سبب هذا التباين إلى أن أهل الإيمان هم الساعون دائما إلى طلب الحقّ بجهد واجتهاد ، أما أهل النفاق فلا يقيمون للدليل وزنا ، لأنّ نفوسهم مجبولة على التقليد والعصبية والجهل ، وقد أقام اللّه سبحانه هذه المقابلة ليميز أهل الحق من أهل الباطل ، وليفضل أهل العلم والاجتهاد ، على أهل الجهل والتقليد . وقد يستفاد التقابل بين الاجتهاد والتقليد في قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] .
--> ( 1 ) البحر المحيط - ج 5 - ص 526 . ( 2 ) محمد الدسوقي - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية - ص 40 ، 41 .