بن عيسى باطاهر

179

المقابلة في القرآن الكريم

المقصود في قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] . وبعد بيان أهمية الاجتماع في القرآن الكريم بعامة وكيف أن القرآن ربطه بقضايا العقيدة والتصور ، وكيف تناوله وبيّن الوسائل الكفيلة بتحقيقه ، وكيف أنه حذّر من الفرقة ودعا إلى نبذها ، نمضي الآن مع سورة التوبة لنقف عند بعض الآيات التي تظهر فيها المقابلة بين الاجتماع والفرقة ونبيّن القيم المعنوية والفكرية وغيرها من القيم التي يهدف إليها التعبير ، وتسعى إليها الآيات . قال تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة : 107 - 108 ] . نزلت هذه الآيات في بيان واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ، وفيها مقابلة ضمنية بين الاجتماع والفرقة ، فالمنافقون قصدوا ببناء مسجد الضرار إلى إيقاع الضرر بالمؤمنين وبثّ الفرقة بين صفوفهم ، أما الاجتماع فتظهر صوره في دعوة القرآن إلى التمسك بالجماعة والصلاة في المسجد الذي أسس على التقوى . وكانت غاية المنافقين من بناء مسجد الضرار أربعة أغراض : 1 - محاولة إيقاع الضرر بالمؤمنين . 2 - الدعوة إلى تقوية الكفر . 3 - التفريق بين المؤمنين ، وبثّ الفرقة والاختلاف بين صفوفهم . 4 - الانتظار والإرصاد لمن حارب اللّه ورسوله أن يجيء محاربا فيجد مكانا له في هذا المسجد ، ويجد قوما راصدين مستعدين للحرب معه « 1 » .

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 11 - ص 39 .