بن عيسى باطاهر
171
المقابلة في القرآن الكريم
فظلم الأنفس الذي تتحدث عنه الآية هو ترك الواجبات والاعتداء على حق اللّه في الحاكمية ، وفي التحليل والتحريم ، أما العدل الذي قابل هذا الظلم فهو في حكمة اللّه وتدبيره للكون ، وجعله للسنن الكونية الذي يعرف بها البشر سبل معاشهم ، وجعله للأشهر الحرم التي تخصّص للعبادة ، ويمنع فيها القتال ، وتصفّى فيها القلوب بين الناس ، وتتوجه بالعبادة الخالصة إلى إله الكون وحده ، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي الذي نازع فيه البشر مشيئة اللّه وقدرته فحلّلوا ما حرّمه ، وحرّموا ما أحلّه ، فظلموا أنفسهم وظلموا اللّه بمنازعته في خصائصه ومقوماته . د - المقابلة بين الاجتماع والفرقة : الاجتماع والجمع ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض « 1 » وهو ضد الفرقة ، والاجتماع في مفهومه العام هو نوع من الولاء إلى الجماعة الواحدة تقتضيه الفطرة والشرع لإشباع غريزة الألفة ، وتحقيق حاجات النفس إلى التجمع والتعاون « 2 » ، وهو المقصود في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [ الحجرات : 13 ] . فالتعارف هو من الاجتماع الذي يدعو إلى التماسك والارتباط ضمن مجتمع واحد ، وضمن قبيلة واحدة ، أما الفرقة فتعني الاختلاف والافتراق وحلّ الروابط الجماعية داخل الجماعة الواحدة أو المجتمع الواحد ، وهو الذي حذّرت منه الرسالات السماوية ودعت إلى نبذه واحتقاره . وهذه الثنائية هي من الثنائيات الهامة التي اهتم بها القرآن الكريم في آياته وسوره لارتباطها المباشر بحياة الناس وواقعهم ، ولعلاقتها الوطيدة بالقيم الاجتماعية والسياسية التي تربط الإنسان بمجتمعه .
--> ( 1 ) الفيروزآبادي - بصائر ذوي التمييز - ج 2 - ص 390 . ( 2 ) زكريا المصري - وحدة الأمة الإسلامية على أسس صحيحة وواقعية - ط 1 مؤسسة الرسالة سنة 1992 - ص 35 .