بن عيسى باطاهر

157

المقابلة في القرآن الكريم

هذه الآية تتحدث عن نماذج من البشر يعرفون بالخداع والنفاق ، ويعرفون بتناقض السلوك لديهم حسب الوضع والظرف ، فهم في بداية أمرهم من أهل الفقر والبؤس فيقيمون صلة مع اللّه ويتقربون إليه بالطاعة والدعاء ، وبعد أن يستجيب اللّه لهم ينسون تكاليف العقيدة ، ومقتضيات الدين . قال سيد قطب : « من المنافقين من عاهد اللّه لئن أنعم اللّه عليه رزقه ، ليبذلنّ الصدقة ، وليصلحن العمل ، ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته ، في وقت الرجاء والطمع ، فلمّا استجاب اللّه له ورزقه من فضله نسي عهده ، وتنكّر لوعده ، وأدركه الشحّ والبخل فقبض يده ، وتولى معرضا عن الوفاء بما عاهد ، فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على اللّه فيه سببا في التمكين للنفاق في قلبه ، والموت مع هذا النفاق » « 1 » . وهذا النموذج من البشر الذي تعرض له الآية لا يستقر على رأي وموقف بل هو مذبذب في عقيدته وتصوره ، مذبذب في سلوكه وأخلاقه ، ولذلك عقدت هذه الآية مقابلة بين صورته في حالة الفقر والإملاق ، وصورته في حالة الغنى واليسر ، وهما صورتان متقابلتان متناقضتان تكشفان عن طبيعة النفاق والمنافقين . فالآية إذن تقابل بين الفقر والغنى في صورة من صورهما لدى البشر ، وهي تكشف لنا عن طبيعة بعض النفوس البشرية التي يجعل منها الفقر مثالا صادقا للصلة باللّه ، والتقرب إليه بالدعاء والصلاة ، وأعمال البرّ لعلّه يكشف السوء ، ويغيّر الحال ، ويمنّ بالنعمة والغنى ، حتى إذا أنجز اللّه وعده ، وقبل دعاءه ، ومنّ عليه بالرزق والمال والولد ، تغيّرت نفسه ، وانقلبت حاله ، وبخل بما لديه من مال ، بل إنّه قد يتحلل من الصلة التي تربطه باللّه ، والعلاقة التي تربطه بالمسلمين .

--> ( 1 ) في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1679 .