بن عيسى باطاهر

145

المقابلة في القرآن الكريم

قال أبو حيان في « البحر المحيط » : « لما ذكر أن أولئك المنافقين اختاروا الدعة وكرهوا الجهاد ، وفرّوا من القتال ، وذكر ما أثر ذلك فيهم من الطبع على قلوبهم ، ذكر حال الرسول والمؤمنين في المثابرة على الجهاد ما لهم من الثواب » « 1 » . وهذه الآيات كالتي سبقتها تميّز بين نموذجين من البشر : نموذج المنافقين ، ونموذج المؤمنين ، وتبين مواقفهم المتباينة تجاه الجهاد وتكاليفه ، ولكن هذه الآيات تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين وتفضح طائفة أخرى من طوائفهم وهم أصحاب الرئاسة والسيادة والقدرة فيهم ، هؤلاء المنافقون إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ أي إذا أنزل قرآن يحمل إلى المؤمنين أمرا من اللّه سبحانه وتعالى يذكّرهم بالإيمان باللّه ، ويدعوهم إلى الجهاد مع رسول اللّه اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ أي بادر أصحاب الطول هؤلاء إلى التحلل من هذا الأمر بالاعتذار إلى رسول اللّه ، واستئذانه في أن يعفيهم من إجابة هذه الدعوة ، والجهاد في سبيل اللّه « 2 » . قال سيد قطب : « إنهما طبيعتان ، طبيعة النفاق والضعف والاستخذاء ، وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء ، وإنهما خطتان : خطة الالتواء والتخلف والرضى بالدون ، وخطة الاستقامة والبذل والكرامة » « 3 » . فإذا كان المنافقون وأصحاب الطول فيهم قد نكصوا على أعقابهم ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف والقاعدين فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، فهذان طرازان مختلفان تمام الاختلاف وهما متقابلان

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط - ج 5 - ص 480 . ( 2 ) عبد الكريم - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 861 . ( 3 ) في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1684 .