بن عيسى باطاهر
138
المقابلة في القرآن الكريم
إن الجهاد في القرآن وفي الشريعة بعامة له غاياته السامية وأهدافه النبيلة في تحرير الإنسان من عبادة البشر أو الأوضاع ، إلى عبادة اللّه وحده ، وهو من مقتضيات الصراع بين الخير والشر في هذه الأرض . لقد أقام اللّه الحياة على المقابلة الكبرى بين الحق والباطل ، وجعل الصراع بينهما سنّة من سنن اللّه الاجتماعية ، تمحيصا لأهل الحق ودحضا للباطل وأهله ، وصيانة لمتعبدات الدين حتى تظل راية التوحيد عالية خفّاقة يستظل بها المؤمنون باللّه ، ويجدون في كنفها أمن النفس ، وراحة القلب ، ومتعة الإيمان « 1 » . فمن الحكمة ومن الواجب إذن أن يقيم الإسلام أتباعه في الحياة على طريق بين الخير والشر ، وهم في هذا الطريق مدعوون للتعامل مع الخير ، ثم هم في الوقت نفسه مطالبون بتجنّب الشر والأشرار ، وأخذ حذرهم منه ، ومنهم جميعا « 2 » . والجهاد هو الوسيلة الفعّالة لإحقاق الحق ودحض الباطل ، « فالحق يحتاج إلى من يظهره بأنه حق ، وإذا كان كل ما عدّ الحق باطلا وضلالا فإن الأصل الذي تقرره العقول أن تتعاون البشرية كلها على إظهار الحق وهيمنته وعلى طرد الباطل والضلال ، لأن سعادة الخلق في ظهور الحق وهيمنته في الأرض ، وشقاءهم في ظهور الضلال والباطل وهيمنتهما ، ولو أن أغلب الناس تعاونوا على إظهار الحق وطرد الباطل لذابت القلة الضالة واضمحلّ شرّها » « 3 » . وإظهار الحق ودحض الباطل لا يظهران إلا بالجهاد ووسائل الدعوة والإقناع وإلا رجحت كفة الباطل وأهله ، وأصبحت الحياة خاضعة لسلطانه وسلطان أوليائه من البشر والطواغيت . قال ابن تيمية - رحمه اللّه - ( - 728 ه ) :
--> ( 1 ) عبد اللّه القادري - الجهاد في سبيل اللّه - ص 8 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 653 . ( 3 ) عبد اللّه القادري - الجهاد في سبيل اللّه - ص 556 .