بن عيسى باطاهر
134
المقابلة في القرآن الكريم
لقد حفل القرآن الكريم بالدعوة إلى الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى أيضا : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ آل عمران : 104 ] . قال ابن قيم الجوزية - رحمه اللّه - ( - 751 ه ) « فحقّ جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه للّه ليكون كلّه للّه وباللّه لا لنفسه ولا بنفسه ، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره ، وارتكاب نهيه ، فإنه يعد الأماني ويمني الغرور ، ويعد الفقر ، ويأمر بالفحشاء ، وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر والأخلاق والإيمان كلّها ، فجاهده لتكذيب وعده ومعصية أمره ، فينشأ من هذين الجهادين قوة وسلطان ، وعدّة يجاهد بها أعداء اللّه في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة اللّه هي العليا » « 1 » . وقال ابن تيمية ( - 728 ه ) في هذا المعنى : « إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أمرنا اللّه به : ولهذا قيل : ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر ، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات ، فالواجبات والمستحبات لا بدّ أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب ، واللّه لا يحب الفساد بل كل ما أمر به فهو الصلاح ، وقد أثنى اللّه على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذم المفسدين في غير موضع » « 2 » . ولأهمية الجهاد في الشريعة الإسلامية فقد وردت آيات كثيرة تحثّ الناس عليه ، وتحذّر من القعود عنه ، وفي القرآن أيضا آيات وفصول كثيرة فيها إسهاب تارة واقتضاب تارة أخرى في صدد الوقائع الجهادية ، ولكن الأسلوب المميّز
--> ( 1 ) زاد المعاد - ج 3 - ص 8 . ( 2 ) الفتاوى - ج 28 - ص 126 .