بن عيسى باطاهر

126

المقابلة في القرآن الكريم

حياة أخرى ، فمن الطبيعي أن ينقل إليها الإنسان بما حصّل في حياته الأولى ، وما جمع من خير أو شر ، وعمل من حسن أو قبيح ، فانتقال الإنسان من هذه الدنيا لا يقطعه عما كان له فيها من عمل ، بل إن عمله كله سيصحبه إلى عالمه الجديد كما ينتقل من بيت إلى بيت ، ومن بلد إلى بلد نقلة إقامة واستقرار » « 1 » . وإن العقل ليدرك أنّ الإنسان لا يمكن أن تتّسع دنياه لكل ما صنع وغرس ، وأنه لا بدّ له من حياة وراء هذه الحياة يجني فيها ما غرس في حياته الدنيا ، ومن هنا فقد جعلت الشريعة الإسلامية للناس أن يحيوا حياتين معا الحياة الدنيا ، والحياة الآخرة ، وأن يعملوا لهما جميعا « 2 » . فالبعث الأخروي ، والجنة والنار في نظر القرآن أمر لا بدّ منه ، بل إنه يعد الآخرة الحياة الحقيقة التي سيحياها الإنسان ، قال تعالى : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 64 ] ، قال الزمخشري ( - 538 ه ) في تفسير الآية : « أي ليس فيها حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة » « 3 » . ونعود الآن بعد أن استعرضنا أهمية عقيدة البعث والجزاء في التصور الإسلامي ، وبيّنا موقف المنكرين وأهل التناسخ من هذه العقيدة ، وكيف ردّ القرآن الكريم عليهم في إثبات هذه العقيدة ، نعود الآن إلى النظرة العامة للقرآن الكريم إلى هذا الموضوع وهجم المادة المعروضة فيه ، وطريقة عرضها . لقد ذكر في السابق أنّ القرآن الكريم يهتم اهتماما كبيرا بتقرير حقيقة البعث والجزاء ، والجنّة والنار ، وهدف إلى ترسيخ هذه العقيدة في القلوب ،

--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 ص 945 - 946 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 ص 948 - 949 . ( 3 ) الكشاف ج 3 ص 463 .